القسم الثالث / الفصل العاشر: عظة الإرسال (متى 10) – إرسال التلاميذ

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

يُرسلُ يسوع تلاميذَهُ قبلَ القِيامةِ بمهمَّةٍ نِطاقُها مَحدودٌ بَينَ آلِ إسرائيل. ستكونُ لهُم هذهِ الرسالَةُ كتَمرينٍ لما سَيقومونَ بهِ طيلَة حياتِهم بعدَ القِيامة عندَ شُعوبِ الأرض. فمِن صَليب المـَسيح وقيامَتِهِ تَنبُعُ حَياةُ الكنيسة وكُلُّ الأسرار. وسِرُّ التثبيت الذي نَنالُهُ، نحنُ المـَسيحيين المـَشرقيين، معَ العِماد، يُذكِّرُنا بالـمـَوتِ والقِيامة وبحُلولِ الروحِ القُدُس على التلاميذ، ويُـثـبّتُـنا مَدى العُمرِ في مَسيرةِ الشهادة لِتعاليمِ المسيح حتّى الاستِشهاد إن لَزِمَ الأمر.

يَشرَحُ يسوع برنامجَ المـُرسَلين في عِظّتِهِ الإرساليّة التي نَقرَؤها اليوم، ويُوضِحُ أنّ الصُّعوبات سَتُواجِهُهُم وأنَّ الاضطِهادات التي سَيُعانونَها قد تأتي مِن أهلِ بَيتِهم. رُبَّما أنتَ نفسُكَ مُضطَهَدٌ اليومَ بِسبَبِ حُضورِكَ اجتِماعاتِ المـَوعوظيّة. ورُبّما واجَهتَ مَصاعِبَ كَثيرة في مَسيرَةِ حياتِك. اِعلم أنَّ يَسوعَ يَقولُ لكَ: «لا تَخَفْ! ما مِن تِلميذٍ أسمى مِن مُعلِّمهِ؛ إن ثَـبُتَّ إلى النِّهايةِ تَخلُص!». وهكَذا تُشجِّعُنا كَلمَةُ الربِّ في عَيشِ شَهادَتِنا المـَسيحيّة في الحَياةِ اليَوميّة.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: إرسالُ التلاميذ (متّى 10: 16-33)

16 هاءَنذا أُرسِلُكُم كالخِرافِ بَينَ الذِّئاب: فكونوا كالحَيَّاتِ حاذِقين وكالحَمامِ ساذَجين.

17 اِحذَروا النَّاسَ، فسَيُسلِمونَكم إلى المـَجالِس، وَيَجلِدونَكم في مَجامِعِهم، 18 وتُساقونَ إلى الحُكَّامِ والمـُلوكِ مِن أجلي، لِتَشهَدوا لَدَيهِم ولَدى الوَثَنِيِّين. 19 فلا يُهِمَّكُم حينَ يُسلِمونَكم كَيفَ تَتكلَّمون أو ماذا تقولون، فسَيُلْقَى إليكُم في تلكَ السَّاعِة ما تَتكلَّمونَ بِه. 20 فلَستُم أنتُمُ المـُتَكَلِّمين، بل رُوحُ أبيكم يَتكَلَّمُ بِلِسانِكم. 21 سَيُسلِمُ الأخُ أخاهُ إلى الموت، والأبُ ابنَه، ويَثورُ الأبناءُ على والِدِيهم ويُميتونَهم، 22ويُبغِضُكم جَميعُ النَّاسِ مِن أجلِ اسمي. والذي يَثبُتُ إلى النِّهاية فذاكَ الذي يَخلُص. 23 وإذا طارَدوكم في مَدينةٍ فاهرُبوا إلى غَيرِها. الحَقَّ أقولُ لكم: لن تُنُهوا التَّجْوالَ في مُدُنِ إسرائيل حتَّى يأتيَ ابنُ الإنسان.

24 ما مِن تِلميذٍ أسمَى مِن مُعَلِّمِه، وما مِن خادِمٍ أسمَى مِن سَيِّدِه. 25 فَحَسْبُ التِّلميذِ أن يَصيرَ كَمُعلِّمِه والخادِمِ كَسيِّدِه، فإذا لَقَّبوا ربَّ البَيتِ بِبَعلَ زَبول، فَما أحْراهُم بِأن يَقولوا ذلك في أهْلِ بَيتِه؟

2. 1- الشرح

يأتي كلامُ يسوع حولَ هَولِ الاضطِهادات التي سيُعانيها التلاميذُ ضِمنَ سياقِ عِظةِ الإرسالِ هذهِ؛ وإليكَ تَصميمها وأفكارَها الرئيسيّة:

  1. مُقدمَةٌ نَثريّة (9: 35 – 10: 5أ): إنّ متّى 9: 35 يُذكِّرُ بمُختَصَرِ أعمالِ المسيح الثلاثة: التَّعليم، والكِرازة بالمـَلكوت والشفاء وهيَ مَوجودةٌ في متّى 4: 23. يَظهَرُ يَسوعُ كالراعي المـُمتَلِئ مِن رَحمَةِ اللهِ ومَحبَتِهِ للشَّعبِ عَكسَ رُعاةِ إسرائيل: فهوَ يُعيدُ/يَسترجِع الشعبَ إلى حُكمِ الله. في لائِحَةِ الاثنَي عشَر يُشدّدُ الإنجيلُ على كَلمةِ «الأوّل» لبُطرُس مُعلِنًا بذلكَ، من هُنا، أولَويَّتهُ على سائِرِ التلاميذ.
  2. واجِبُ المـُرسَلين (10: 5ب–15). هذا تَصميمُ هذهِ الفَقَرة: 10: 5ب–6 مَكانُ العَمَل؛ 10: 7-8أ البَرنامج؛ 10: 8ب–10 الأمتِعةُ واللوازِم؛ 10: 11-15 قواعِدُ السلوكِ والتصرُّف. إنّ أمْرَ تَبشيرِ الخِرافِ الضالة مِن إسرائيل دونَ سِواهُم يُفهَمُ أنّهُ إرسالٌ قبلَ القيامَة (نَوعٌ مِنَ التَّدريب، stage) من قِبَل مسيحِ إسرائيل الذي يَجمَعُ الشعبَ المـُتبَدِّدَ (أش 11: 12). المـُلاحَظ أنّ خِدمَة المـَلكوت (10: 7) هيَ خِدمَةُ الإنسانِ (10: 8). والجَذريّة مِن ناحِيَةِ الأمتِعَةِ واللوازم –عَكسَ مَرقُس الذي يَسمَحُ بالعَصا والحِذاء– هيَ تَشديدٌ على الثقَة بِعنايَة اللهِ الذي لا يَسمَحُ بِنَقصِ البُيوتِ المـُضيفة (راجِع مَوضوعَ العِناية في متى 6: 25-34). أمّا السلامُ فهوَ البرَكةُ المسيحانيّة الأهمُّ التي منَ المُمكِنِ أن تُعطى في الرسالة (أش 9: 1-6 و 11: 6-9).
  3. إرسالٌ إلى العالَم واضطِهاد (10: 16-33). تَتحوَّلُ الرسالةُ في هذا المـَقطَع من واجِبٍ يَقَعُ على عاتِقِ الرُّسُل إلى مَصيرِ آلامِ واضطِهاداتٍ سيواجِهونَها. الرسالةُ المـَسيحيّة مُصطَبِغة بالآلام. في هذا المـَقطَع مُقدّمَة (10: 16) وثلاثُ وَحداتٍ أدبيّة. تَتَحدَّثُ المـُقدّمَة عَن الإرسالِ وَسَطَ المـَخاطِر وعَن واجِبِ التحلّي بالذكاءِ والوَداعة. وتُخبِرُ الوَحدَةُ الأدبيّة الأولى (10: 17-23) عنِ الاضطِهاداتِ أمامَ اليَهودِ والأُمم وعنِ المـَواقِفِ المـَطلوبة منَ الرُّسُل. الوَحدة الثانية (10: 24-25) هيَ الوَحدة الوَسَطيّة وتَتَحدَّثُ عن التَّطابُقِ المـَطلوبِ بينَ التلميذِ والمـُعلِّم، وبينَ العَبدِ والربّ. أمّا الوحدةُ الثالثة (10: 26-33) فتتركَّزُ حولَ أفعالِ الأمر الثلاثة «لا تخافوا» (في الآيات 26 و28 و31) وتُطَمئِنُ التلميذَ أنّ اللهَ سيّدُ التاريخِ وأنّهُ يَدينُ بعَدلٍ كُلَّ واحِدٍ بحَسَبِ أعمالِه.
  4. مُتطلَّباتُ التَّلمَذة ومُكافَأةُ المـُستقبِلين (10: 34-42). تَعرِضُ الآياتُ الأولى (10: 34-36) رِسالةُ يسوع التناقُضيّة ووَضَعَ انقِسامَ العائِلة بسبب المسيح: هُناكَ مَن يُريدُ أن يُؤمِنَ وأن يُمارِسَ بالتِزامِ حياتِهِ الدينيّة وهُناك مَن يَرفُضُ ذلِكَ ضِمنَ داخِلِ البَيتِ الواحِد. تَتَحدَّثُ الفَقرة الثانية (10: 37-39) عنِ النتائِجِ التي تَحدُثُ في حَياةِ مَن يَقبَلُ رسالة المسيح. وتُعلِنُ الفَقَرةِ الأخيرة (10: 40-42) عَنِ العَلاقة التي تَربِطُ المـُرسِل بالمـُرسَلين والله.
  5. خاتِمَةٌ نَثرية (11: 1). هذهِ الآيةُ هيَ الآيةُ الخاتِمةُ التي تَختِمُ كُلَّ العِظاتِ في إنجيلِ متّى. اِختِلافًا مع مر 6: 12 و13 و30 ولو 9: 6 و10، لا يَهتَمُّ متّى بِتَنفيذِ هذا الإرسالِ مِن قِبَل التلاميذ بل يُكمِلُ سَردَ رسالةِ المسيح في وَسَطِ شَعبِهِ. أما الرسالةُ الفِعليّة للتلاميذِ فتُبعَدُ حتَّى المـَرحَلةِ الأخيرة منَ الإنجيل (28: 16-20).

2. 2- التأوين

أخي طالِبُ العِماد، أنتَ اليومَ تَسمَعُ الوَعظَ والتعليم. لم تَنَل بَعدُ سِرَّي العِماد والتثبيت. ولم تُرسَل رَسميًّا بعدُ في العالَم للتبشير بيسوع. بالرغم مِن ذَلكَ أنتَ مدعوٌّ أن تَتَدرَّبَ على الشهادَةِ لهُ بأفعالِكَ قبلَ أقوالِكَ. يَعرِفُ المــُرسَل منَ المسيحِ أنّ عليهِ أن يكونَ أولاً خَروفًا يَتبَعُ الراعي نحوَ حَظيرةِ الحَياة. في الطريقِ، عليهِ أن يُساعِدَ الآخرينَ ويُضمِّدَ جِراحاتِ الإنسانيّة المــُتألِّمة.

يَـعِدُ المسيحُ مَن يَتبَعُهُ حتى النهايةِ بالـمـُكافَأة. لكن، أثناءَ هذهِ الحياة قد تُواجِهُنا مَشاكِلُ كَثيرة؛ علينا تَقبُّلُها بِرَجاء المـُؤمِن الذي يَنظُرُ إلى الصليبِ المـُمَجَّد ويأخُذُ مِنهُ القوّةَ والعَون. الذِّئابُ كثيرةٌ، وأنواعُ الاضطِهاداتِ لا تُحصى؛ لذلكَ عَلينا أن نَعرِفَ أنّ الصليبَ طَبيعيٌّ في حَياةِ المــُؤمِن. وقد عاشَت المسيحيّةُ ثلاثةَ قُرونٍ دونَ حَرّيةٍ في مُمارَسَةِ الشعائِر الدينيّة. وأضحَت دِماءُ الشهداءِ بِذارَ القدّيسين. أمّا اليومَ، فقد نَعيشُ اضطِهاداتٍ مُماثِلة، لكن لا يُمكِنُنا التخاذُلَ أمامَ تجارِبِ الحَياةِ اليَوميّة وأمامَ الاضطِهاداتِ التي هيَ مِن نوعٍ آخر. ولــنَعِ أنّ سِرَّ التثبيتِ الذي نَأخُذُه معَ المــَعموديّة هوَ قوّةُ الروحِ القُدُس التي تُساعِدُنا طِيلَةَ حياتِنا للشهادَةِ لتعاليمِ المسيح حتى إراقةِ الدَّمِ إذا لَزِمَ الأمر. إنّ عِظةَ يَسوع الإرساليّة (متّى 10) هيَ شَرعَةُ حَياتنا في وَسَطِ العالَم.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: الروحُ القُدُس، وسِرُّ التثبيت

يُخبِر إنجيلُ لوقا في نَصِّ بِشارَةِ مَريم أن الروحَ القُدُس قد حَلَّ عَليها، فهوَ قد حَمَل ابنَ اللهِ إلى أحشائِها ليَتَجسَّدَ مِنها. ونرى الرُّوحَ عَينَهُ يَحلُّ على يسوع يومَ مَعموديَتهِ وبَدءِ رِسالَتهِ العَلَنية. فالروحُ القُدُس قد رافَقَ الربَّ يسوع منذُ بَدءِ رِسالته على أرضنا، حتى آلامِهِ وموتِهِ وقيامَتِه. وفي المـُقابِل يُعطي يسوعُ القائِمُ من الموتِ الروحَ إلى كَنيستِهِ. ويقولُ في إنجيلِ يُوحنا: «وأنا أسألُ الآبَ فيُعطيكُم مُعزّيًا آخرَ يَبقى معكُم إلى الأبد، هوَ رَوح الحقِّ… سيُعَلِّمُكم كُلَّ شَيءٍ ويُذكِّركُم بكُلِّ ما قُلتُهُ لكُم» (يو 14). العَلاقةُ بينَ الربِّ يسوع والروح القُدُس وثيقةٌ جدًّا، حتى أنَّهُ يُمكنَنا القولُ إنّهُ روحُ يسوع.

لقد نالَتِ الكنيسَةُ الروحَ القُدُس يومَ العَنصَرة، أي في اليومِ الخمسين بعدَ قيامَةِ يسوعَ المسيح. وفي مُراجَعتِنا لِكتابِ أعمالِ الرُّسُل نرى الكنيسةَ الأولى تَصنَعُ الأعمالَ نفسَها التي كانَ يسوع يَعملُها. فهيَ تَعمَلُ بروحِهِ، وتَسير بِهَديهِ، وهوَ حاضِرٌ بقوَّةٍ فيها، يُقوّيها ويُشجّعُها، ويُدخِلُها في فَهمِ سِرِّ المسيح، ويَقودُها في مَسيرتِها، يُلهِمُها ويُساعِدُها على نَقلِ البُشرى بالأقوالِ والأعمالِ، فتُحسِنَ اختيار طريقِها وتَمييز مَواقِفِها.

وما زالَ روحُ اللهِ يَعمَلُ في قُلوبِ المـُؤمِنين، فيَضَعُ فيهم مَشاعِرَ المسيحِ نفسِهِ، مِن مَحبّةٍ كَبيرة ومَقدِرَةٍ على الغُفران، ويَزرَعُ في قُلوبِهم سَلاماً، وشَوقاً للصَّلاة، ويُعلِّمُهُم كيفَ وبأيِّ فِكرٍ وقَلبٍ يُصلُّون. بِهذا المـَعنى يقولُ بولس الرَّسول: «ونحنُ لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجِب، لكنّ الروحَ يَشفَعُ لنا عِندَ اللهِ بأنّاتٍ لا تُوصَف» (روم 8). ثِمارُ الروحِ كَثيرةٌ، ويُورِدُ بولسُ الرسول على سَبيلِ المـِثال: «المـَحبَّةُ والفَرَح والسَّلام وطُولُ الأناةِ واللُّطفُ والصَّلاحُ والإيمان والوَداعة والعَفاف» (غل 5: 22). ومَواهِبُهُ أيضاً مُتنوِّعَةٌ كالحِكمة والفَهم والقُّوة والتَّقوى… كلُّ هذا يُشيرُ إلى غِنى الله الذي يَسكبُهُ في قُلوبِ مُحبِّيهِ بِواسِطَة روحِهِ القُدُّوس.

يَفوقُ عَمَلُ الروحِ القُدُس كُلَّ تَصوِّر ولا يَعرِفُ حُدودًا. فهوَ وبِحَسَبِ التسمية التي ردَّدها الربُّ يسوع، مِثلُ الرِّيحِ لا يُحَدُّ بِمَكانٍ، بل هوَ يَعمَلُ في كُلِّ العالَم، ولا يَعتَرِفُ بالحواجِزِ التي يُقيمُها الناس. فحتّى في غَير المـُؤمِنينَ يَعمَلُ روحُ اللهِ ليَهديهِم إلى المـَحبّة، وإلى مَعرِفَةِ اللهِ في المسيح. وهكذا نرى الكَثيرينَ مِنَ النّاسِ يَبحثونَ عَن يَسوع أو أقلَّهُ يَنسَجِمون معَ أفكارِهِ وأقوالِه. فاللهُ يَعمَلُ على تَهيئَةِ القُلوبِ لكي تَقبَلَ البُشرى السارّة، أي إنجيلُ يسوعَ المسيح. أما المـُؤمِنونَ فيَقبلونَهُ بِواسِطةِ الأسرار، ولا سيَّما سِرُّ التثبيت.

يَدخُلُ المـُؤمِنُ في الكَنيسة باعتِمادِهِ، إذ يُصبِحُ إنساناً جَديداً قائِماً معَ المـَسيح. أما عَطِّيَةُ الروحِ ولو كانَت حاضِرةً في كُلِّ حين، فالكَنيسةُ تَراها حاضِرةً بِشَكلٍ خاصّ في سِرِّ التثبيت. إذ يَضَعُ الكاهِنُ يَدَهُ على جَبينِ المـُؤمِن ويَمسَحُهُ بالمـَيرون علامة على المـَسحَةِ الإلهيّة، فيَستقِرَّ روحُ اللهِ في الإنسانِ لكي يَشهَدَ لهُ في حياتِهِ ويَنشُرَ عِطرَ المسيح الطيّب. أرادَت الكنائِسُ الشرقيّةُ مَنحَ سِرِّ التثبيتِ معَ العِماد، مُشدِّدَةً على ارتِباطِ السِّرَّين وعلى أهميَّةِ دَورِ الروحِ القُدُس في حياةِ المسيحيّ. أمّا الكنائِسُ الغَربيَّةُ فلا زالَت تُعطيهِ مُنفَصِلاً، في مَرحَلةٍ لاحِقة، وذلكَ لإعطاءِ كُلِّ سِرٍّ (المـَعمودية والتثبيت) حَقَّهُ.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قراءةٌ من تِودُرُس الـمُبْسُوِسطيّ (+ 428)

سِرُّ التثبيتِ المُقدَّس

متى نِلتَ نِعمَة المـَعموديّة واتَّشحتَ بقَميصٍ ناصِعِ البَياض، يَتقدَّمُ الأُسقفُ فيَسِمُكَ على جَبهَتِكَ قائِلاً: «يُوسَم فلانٌ باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس». لـمّا صَعِدَ يَسوعُ منَ الماء، نالَ نِعمَة الروحِ القُدُس الذي جاءَ واستقرَّ عليهِ بشكلِ حَمامَةٍ. لِذا قيلَ فيه: مَسحَةُ الروحِ القُدُس، روحُ الرَّبِّ عليَّ لأنَّ الربَّ مَسَحَني. وأيضًا، يسوعُ الناصريُّ الذي مَسَحهُ اللهُ بالروحِ القُدُس وبالقوّة. هذهِ الكلماتُ تُشير إذن إلى أنَّ الروحَ القُدُسَ غير مُنفَصِلٍ عَنهُ إطلاقًا. وبالتالي هذا ما يَحدُثُ تمامًا في مَسحَةِ الزيتِ التي يُمارِسُها البَشَر، فإنِّها تَلتَصِقُ بِهم فلا يَعودُ نَزْعُها مُمكِنًا لَدَيهم.

مِن ذَلِكَ الحين، وجَبَ عَليكَ أنتَ أيضًا أن تُمسَحَ على جَبهَتِكَ. يَسِمُكَ الأسقُفُ قائِلاً: يوسَم فُلانٌ باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس. وبهَذِهِ الدعوة: «باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس»، تُعطى عَلامةً وعُربونًا على أنّ الروحَ القُدُس أتى إليكَ، وأنّكَ مُسِحتَ بهِ، نِلتَهُ بالنعمَةِ، وحَصَلتَ عَليهِ وهوَ مُقيمٌ فيك. وفي ذلكَ الوقتِ تَنالُ منهُ البواكير، لأنّكَ لا تتمتّعُ الآنَ مِن خَيراتهِ الآتية إلاّ بالرَّمز. أمـّا في الدهرِ الآتي، فسَوفَ تنالُ كُلَّ النعمةِ التي تَجعلُكَ غيرَ مائِتٍ وغيرَ فاسِد وغيرَ مُتألِّم وغيرَ مُتبدِّل. وفي تلكَ اللّحظةِ نفسِها، يَبقى جَسَدُك إلى الأبدِ لا يَنحلُّ، كما أنّ نفسَكَ لن تَستطيعَ بَعدَها أن ترجِعَ إلى الشرّ.

(عِظة 14)