القسم الثالث / الفصل الثامن: شفاء خادم قائد المئة

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

كانَ اليَهودُ يَعتقِدونَ أنّهُم هُم فقط المـُخلَّصونَ، لأنَّهُم شَعبُ اللهِ المـُختار. فبَاقي شُعوبِ الأرضِ لا إمكانيّةَ لها بالدُّخولِ إلى مَلكوتِ اللهِ. جاءَ يسوع يَفتَحُ البابَ واسِعًا للجَميع، وطَلبَ شَرطًا واحِدًا: الإيمان. لقد شَفى يَسوع خادِمَ قائِدِ المـِئة الوثنيّ وقال إنّه لم يَجِد مِثلَ إيمانِهِ ولا حتّى في إسرائيل.

أنتَ الذي آمنتَ وأرَدتَ اتّباعَهُ بِدخولِكَ المـَوعوظيّة، قد تُشبِهُ قائِدَ المِئة الوَثنيّ بإيمانِكَ، ورُبّما قد تَسمَعُ صَوتًا في داخِلِكَ يَهمِسُ لكَ: «إنّ إيمانَكَ أعظمُ مِن إيمانِ المـَسيحيين أنفسِهم، المـُعتادِين على مُمارَسَتِه بِرتابَة». ما يَهمُّ هوَ أن تُجاهِرَ بإيمانِكَ قَولاً وفَعلاً، دونَ أن تَقيسَ نفسَكَ بالآخرين. فالربُّ يَنظُرُ إليكَ شَخصيًّا، ويُحبَّكَ، ويَدعوكَ للخَلاص.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: شِفاءُ خادِم قائِدِ المِئة (متى 8: 5-13)

5 ودخَلَ كَفَرْناحوم، فدَنا مِنهُ قائِدُ مائةٍ يَتَوَسَّلُ إلَيهِ 6 فيَقول: يا رَبُّ، إنَّ خادِمي مُلقىً على الفِراشِ في بَيْتي مُقعَدًا يُعاني أشَدَّ الآلام. 7 فقال لَه: أأذْهَبُ أنا لأشفِيَه؟ 8 فأجابَ قائدُ المِائة: يا رَبُّ، لَستُ أهْلاً لأن تَدخُلَ تَحتَ سَقفِي، ولكِن يَكْفِي أن تَقولَ كَلِمَةً فيَبرَأ خادِمي. 9 فأنا مَرؤُوسٌ ولي جُندٌ بِإمرَتي، أقولُ لِهذا: اِذهَبْ! فيَذهَب، ولِلآخَر: تَعالَ! فيأتي، ولِخادِمِي: اِفعَلْ هذا! فيَفعَلُه. 10فلَمَّا سَمِعَ يسوعُ كَلامَه، أُعْجِبَ بِه وقالَ لِلَّذينَ يَتبَعونَه: الحَقَّ أقولُ لَكم: لَم أجِدْ مِثلَ هذا الإيمانِ في أحَدٍ مِنَ إسرائيل. 11 أقولُ لَكم: سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المـَشرِقِ والمـَغرِب، فَيُجالِسونَ إبراهيمَ وَإسحٰقَ ويَعقوبَ على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات،12 وأمَّا بَنو المـَلكوت فَيُلقَوْنَ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة، وهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنان. 13 ثُمَّ قالَ يسوعُ لِقائِدِ المِائة: اِذْهَبْ، وَلْيَكُنْ لَكَ بِحَسَبِ ما آمَنتَ. فَبَرِئَ الخادِمُ في تِلكَ السَّاعَة.

2. 1- الشرح

بعد أن دَخَلَ يسوع كفَرناحوم يَحضُرُ قائِدُ المِـئةِ ويَعرِضُ عَلى يَسوع حالَةَ خادِمِهِ المـَريض. فبادَرَ يَسوع بالذهابِ ليَشفيَه. إنّ مُبادَرَةَ يَسوع هذهِ تُظهِرُ كيفَ أنّ يسوع يَتخطّى التقاليدَ اليَهوديّة التي كانَت تُحرِّمُ على اليهوديّ دُخولَ بيتِ وَثنيّ وذلكَ خَوفًا مِن النجاسَة! هذا الانفِتاحُ الشموليّ للخَلاصِ واضِحٌ في إنجيلِ متّى مُنذُ البِدايةِ عِندَ قُدومِ المـَجوسِ للسجودِ للطفل. فرَغبَةُ يَسوع هيَ في أن يَصِلَ الخَلاصُ لجَميعِ الناسِ، شَرطَ أن يؤمنوا. لقد بَدَّدَ يَسوعُ الامتِيازاتِ العِرقيّة، عارِضًا الخَلاصَ للجَميعِ ولاغيًا حَصريَّةَ الانتِماءِ إلى شَعبٍ ما أو عِرقٍ ما.

بَعدَ مُبادَرَةِ يسوعَ هذهِ، يأتي جَوابُ قائِدِ المـِئة المـُفعَمُ بالتواضِعِ والإيمانِ مُعبّرًا عن عَدَمِ استِحقاقِه لاستِقبالِ المـَسيح المـُرسَل منَ الله. وعرضَ كيفيّةَ تَعاطيه معَ الجُنودِ عن بُعد، دونَ اضطِرارِهِ لمواجهَتِهم، مُشيرًا إلى أنَّ باستِطاعَةِ يَسوع أن يَقومَ بالأمرِ نفسِهِ، شافيًا «عَن بُعد» دونَ أن يَتوجَّبَ عليهِ لَمسُ المـَريض.

وعِندَها، عَظَّمَ يَسوع إيمانَ قائِدِ المـِئةِ الوَثنيّ، الذي اتّصَفَ بالتواضُعِ العَميق وبالاستِسلام لِكلمةِ يَسوع القادِرة. لقد عَجِزَ شَعبُ إسرائيلَ عَن هذا الإيمانِ، بالرغم مِن أنَّ لهُم المـَواعيدَ الأساسيّة بالخَلاصِ الإسكاتولوجيّ. إنَّ صورةَ الجُلوسِ إلى المائِدةِ في المـَلكوت ليسَت تَعبيرًا حِسّيًّا ماديّا للفَرَح الأبديّ، بل هيَ رَمزٌ كِتابيٌّ (أش 25: 6؛ مز 107: 3) يُشير إلى وَفرَةِ الأفراحِ التي لا تنتهي. وفي النهايةِ، صَرَفَ يسوعُ قائِدَ المـِئة قائِلاً له: «ليَكُن لَكَ بحسَبِ إيمانِكَ»، مُؤكّدًا بذلكَ أنّه بِقليلٍ من الإيمان يُمكنُنا أن ننالَ مَغفِرةَ الخطايا (متّى 9: 2)، أن نَصنَعَ المـُعجِزاتِ (متّى 17: 20)، وأن نَنالَ كُلَّ ما نَسألُ (متّى 21: 22)، مِن أجلِ خلاصَنا الأبَديّ.

2. 2- التأوين

يَحمِلُ هذا الإنجيلُ بُشرى سارّة لنا، إذ يَكشِفُ فَعاليّةَ كَلمةِ يسوع التي بإمكانِها الشفاءُ عن بُعد، كما أنّه يُظهِرُ البُعدَ الشموليَّ للخَلاصِ الذي يَمنَحُهُ يسوع، لا انتِماءً إلى عِرقٍ أو شَعب، إنّما بِعَيش الإيمانِ الحَقيقيّ بِكَلمَةِ الله.

وهُنا يُطرَح السؤالُ على كُلِّ واحِدٍ مِنّا: كيفَ تَصِفُ إيمانَكَ بالله؟ هل أنتَ طامِعٌ بالنَّعيمِ أو بِكافآتٍ مادّيةٍ أرضيّةٍ عندَ اعتِناقِكَ الإيمانَ المـَسيحيّ؟ هل تَعيشُ نُموَّكَ الإيمانيّ بِتواضُعٍ واستِسلام لمـَشيئةِ اللهِ، أم تَعترِضُ على مُجرياتِ الأحداثِ في حَياتِكَ وتَعيشُ نَقمَةً دائِمة على كُلِّ ما يَحصَلُ لَكَ؟ هل تَعرفُ أنّ يَسوعَ كُليُّ القُدرَةِ وبإمكانِهِ تحويلُ هُمومِكَ وأمراضِكَ إلى مَجدٍ وقِيامَة؟ إنّ يسوعَ بتَجَسُّدِهِ ومَوتهِ وقيامَتهِ، لم يُلغِ الشرَّ منَ العالَم بل حوَّلَهُ فينا إلى خِبرةِ رَجاء. أتى يسوعُ ليُحرِّرَ البَشرَ منَ العُبوديّةِ الأشدّ خُطورةً التي هيَ «الخَطيئة». لذلكَ، يُطلَب مِنّا، قبلَ فَواتِ الأوان، التوبَةُ عن ماضينا الخاطِئ، والانخِراطُ في حَياةِ الإيمانِ المـُلتزِم قَولاً وفِعلاً نَشرَ المـَلكوت.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: فَضيلةُ الإيمان

لقد خَلقَ اللهُ الإنسانَ وجَعَلَ في داخِلهِ عَطَشًا إليهِ واستِعدادًا للإيمانِ بهِ. وهذا ما يُشيرُ إليهِ يَسوع فيقول: «ما مِن أحَدٍ يَأتي إليَّ ما لم يَجتَذِبهُ الآب». وحينَ يَتكلَّمُ عنِ العَطَشِ يَستَعيدُ مَوضوعاً بارِزاً في صَلواتِ المـَزاميرِ: «ظَمِئَت نَفسي إليكَ… كما يَشتاقُ الأيِّلُ إلى مَجاري المـِياهِ كذلكَ تَشتاقُ نَفسي إليكَ يا الله…». ونِعمَةُ اللهِ لا تَقِفُ عندَ هذا الشَّوقِ الداخليِّ، بل إنَّ اللهَ يأتي ليَلتَقي بالإنسانِ. فالشعورُ الداخليُّ لا يَكفي وإلاّ أصبحَ اللهُ انعِكاساً لما نَحمِلُهُ في مُخيّلَتِنا. لذلكَ يأتي اللهُ ليَلتَقي بالإنسانِ في قَلبِ العالَم، وفي قلبِ التاريخ. أوحى اللهُ عن نَفسِهِ بطُرُقٍ شَتّى، أرسلَ الأنبياءَ يُعلِنونَ كَلِمَتَهُ، وتَدَخَّلَ في حَياةِ شَعبِهِ وخَلَّصَهُ مِرارًا وتَكرارًا. وفي آخِرِ الأيامِ أرسلَ ابنَهُ، كلمَتَهُ الأزلية، وبهِ كانَ مِلءُ وَحي الله.

الإيمانُ هوَ إذَن جَوابُ الإنسانِ على الدَّعوَةِ المـُزدَوَجة، المـَوجودَةِ في داخِلِهِ مِن جِهة والتي تَتناغَمُ معَ ما كَشَفَهُ لهُ اللهُ مِن جِهةٍ ثانية. هوَ عَطَشٌ يَشعُرُ بهِ في أعماقِهِ ونِداءٌ يَسمَعُهُ بأُذُنَيهِ. لذلكَ فالإيمانُ يَتطلَّبُ أن يُصغي الإنسانُ إلى أعماقِهِ ويَفهمَها على ضَوءِ مَعرِفَتهِ بيسوعَ الربّ. وبالعكس، حينَ أسمَعُ كَلامَ المـَسيحِ أرى أنّهُ يُحرِّكُ فيَّ مَشاعِرَ الحُبِّ والفَرَحِ والسَّلام، وهذا، عَلامَةٌ على أنَّ مَن قالَ هذا الكلامَ هوَ نَفسُهُ الذي خَلَقَني وزَرَعَ فيَّ مَحبَّةَ كَلامِهِ.

ومعَ كُلِّ هذا يَبقى الإيمانُ خَيارًا حُرًّا. لو أرادَ اللهُ إرغامَ الناسِ على الإيمانِ بهِ، لكانَ كَشَفَ لَهُم عن نَفسِهِ بِطَريقةٍ أُخرى. ولكنَّ الإيمانَ عَلاقةٌ معَ اللهِ مَعروضَةٌ على الإنسانِ، فيَختارَ أن يَبنيَها. ومِثلُ كُلِّ عَلاقَةِ حُبٍّ، العلاماتُ فيها كَثيرةٌ، ومِنها حُضورُ اللهِ الذي يَملَأُ حَياتَنا. ويُحسِنُ الإنسانُ المـُؤمِنُ قِراءةَ هذهِ العلاماتِ، والإصغاءَ إلى صَوتِ الربِّ، الذي يَدعوه في كُلِّ لَحظَةٍ لكي يَعيشَ وِفقَ هذا الإيمان.

ومِن ثِمارِ الإيمانِ الكَثيرَةِ أن المـُؤمِنَ يَطمَئِنُّ حينَ يَضعُ حياتَهُ بينَ يَديّ الله. وهذا لا يعني أنَّ اللهَ يُقرِّرُ بَدَلاً عَنهُ، أو أنّهُ يَحميهِ مِن مَطبَّاتِ الحَياةِ وصُعوباتِها. فاللهُ الذي خَلَقَ قوانين الطبيعَةِ لا يَتدخَّلُ ليُغيّرَها فيَحمي المـُؤمِنينَ دونَ غيرِهم. هوَ أبٌ لِكُلِّ الناسِ، و»يُشرِقُ شَمسَهُ على الأبرارِ والأشرار». أمّا المـُؤمِنونَ فيَقبلونَ بأن يَكونَ اللهُ رفيقَهُم فَيُلهِمَهُم في كُلِّ حينٍ أن يختاروا ما يُعطيهم مِلءَ الحَياة، حَياةِ الله. يَتطلَّبُ الإيمانُ بِطَبيعتِهِ ثِقةً كَبيرةً باللهِ، وهذا أمرٌ طَلبَهُ يَسوع مِراراً: «يَكفي أن تُؤمِنَ»، «لو كانَ لكُم إيمانٌ بِمقدارِ حَبَّةِ الخَردَل،…»

ولِلكنيسةِ دَورٌ أساسيٌّ في نَقلِ الإيمان. فإن كانَ اختِبارُ كُلِّ واحِدٍ مِنّا ضَروريًّا في مَسيرَةِ إيمانِهِ، يَبقى للكنيسَةِ التي تَحفَظُ وَديعةَ الإيمانِ مُنذُ الرُّسُل، بِمَعونَةِ الروحِ القُدُس، مَهَمَّة التعليمِ المسيحيّ والتربيةِ الإيمانيّة.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قِراءةٌ مِن اللاهوتيّ المُعاصِر كارل راهنر

إيمان الكنيسة

إيمانُ الكَنيسةِ الأصيلُ، إيمانُ الخاطِئ، أمُؤمِنًا كانَ، في الوقتِ نَفسِهِ، أم غيرَ مُؤمِن، عَليهِ أن يَعودَ بلا انقِطاعٍ إلى الإيمانِ بِفعلِ النعمَةِ. إيمانٍ يَتحمَّلُ ظُلُماتِ العالَم بَدَل أن يَكشَحَها بالجَدَل. إيمانٍ يَعتَرفُ باللهِ بَدَلَ أن يُدافِعَ عَن مَواقِفَ تُعطي الكنيسةَ وَجهَ قُوَّةٍ بَشريّة، ووَجهَ عَقائِديَّةٍ مُتجَسِّدَةٍ في كيانٍ اِجتماعي. إيمانٍ واعٍ أنّهُ يَستطيعُ أن ينالَ الَّتبريرَ، لا كما في نَظَر العالَم، بل أن يُصبِحَ قُوّةِ الحُبِّ الذي يَبذِلُ نَفسَهُ في خِدمَة القَريب. إيمانٍ، مَكانَ أن يَعتَصِمَ في مَعبَدِ الحَياةِ الخاصَّة يُشِعُّ في عَمَلٍ واقِعيّ، مِن خِلالِ عَلامَةِ الرَّجاءِ والمـَسؤوليةِ والالتِزامِ في المـَهامِّ الأرضيّة. إيمانٍ، بَدَل أن يَتلهّى بِلُعبَةِ الجَدَليّةِ المـُجرَّدةِ والمـُريحة، يَنصاعُ لزَخمِ المـَوهِبةِ والنُّبوَّة، للخروجِ مِن دوّامَةِ المـَنطِقِ العاري. فيَبلُغَ التنفيذَ ويَدخُلَ حَيّزَ الواقِعِ حَيثُ مَدى مُكُناتِ الإيمان، يَبطُلُ أن يَكونَ مُكْناتِ تَهَرُّب. إذ هُنا يَكمُنُ العَمَلُ الواقعيّ، وهوَ يتطلَّبُ في آنِهِ التِزامًا مَسيحيًّا.

إيمانٌ من هذا الطِّرازِ هوَ النِّعمَةُ بل هوَ اللهُ نفسُهُ. بل هوَ عَمَلُ الإنسانِ، كُلّ الإنسانِ، وأيُّ عَمَلٍ كهذا لا تَجِدُ أساسَهُ وطَبيعتَهُ إلاّ في النِّعمَة، يَعني أنّه لا يُمكِنُ أن يَكونَ إلاّ عَمَلَ الإنسانِ الذي يُصلّي.

(خُدّامُ المـَسيح)