القسم الثاني: شرعة الملكوت

بَعدَ مَوضوعِ البِداياتِ التي استحسَنّا اِختيارها مِن إنجيلَيّ يُوحنّا ولوقا، نبدَأُ الآنَ بِقراءَةٍ شِبه دائِمة لإنجيل متّى الذي وُضِعَ تَرتيبًا في أوَّلِ الأناجيلِ والذي حَظيَ بِعنايةٍ كَنَسيَّةٍ كبيرة مُنذُ القرونِ الأولى، إذ كانَ الأكثرَ استِعمالاً في تَنشِئَة المـَوعوظين. فبينَ الطُّفولةِ والآلام، يَروي هذا الإنجيلُ حَياةَ يسوع في خَمسِ لَوحاتٍ مُتتالية تَتبَعُ تَصميمًا واحدًا: في كُلِّ لَوحةٍ عِظَةٌ لِيَسوع، تُمهِّدُ لها أحداثٌ مُختارَة بِمَهارة لِتكونَ مُقدّمةً لِتعليمِ المـُعلِّم. أمَّا العِظاتُ فهيَ كُـتَلٌ مِن أقوالِ يَسوع يَنتهي كُلٌّ مِنها بهذهِ العِبارةِ الخاتمة: «ولـمَّا أتمَّ يَسوعُ هذا الكلامَ، اِنتقلَ مِن هذا المـَكانِ وذَهبَ إلى مَكانٍ آخَر» (7: 28؛ 11: 1؛ 13: 53؛ 19: 1؛ 26: 1).

مَواضيعُ العِظاتِ الخَمس هيَ تِباعًا: شَرعةُ المـَلكوت (متّى 5 – 7)، رِسالةُ المـَلكوت (10)، سِرُّ المـَلكوت (13)، جَماعَةُ المـَلكوت (18)، ومَجيءُ المـَلكوت (24 – 25).
في اللَّوحَةِ الأولى (متّى 3 – 7) مِن حياةِ يَسوع العَلَنيّة في إنجيلِ مَتّى نَجِدُ أحداثًا في الفَصلَين 3 و4 تُذَّكِرُ بعِمادِ الربِّ في الأُردُن، وانتِصارهِ على الشيطانِ في نهايةِ صيامِهِ الأربعينيّ في البرّية، ودَعوَته لتلاميذِه الأربعة الأوائِل ومُوجَز أعمالِهِ في الجليل. بعدَ هذهِ الأحداث، تأتي في الفُصول 5، 6 و7 عِظةُ يسوعَ الأولى التي ألقاها على الجبلِ أمامَ تلاميذه والجُموع، والتي فيها نَقرأ أهمَّ ما علَّم يسوع، ومُختصَر بَرنامَج المـَلكوت الجديد، والتَّصوّرَ الأساسيَّ لِتلميذِ المـَلكوت.

لن يَتسنَّى لنا الوقتُ الكافي لقراءَةِ وشرحِ كافَّةِ النصوص الإنجيليّة، لذلك نَنصَحُ بقراءةِ الإنجيلِ بِكامِلِه في البَيت. فقد اختَرنا مِنَ اللَّوحَةِ الأولى مِن حياةِ يَسوع العَلنيّة التَّحدُّثَ عَن يُوحنّا المـَعمَدان وعَنِ الحدَثِ الأوّلِ الأساسيّ في حياةِ يسوع وهوَ عِمادُهُ. ففي هذا المـَشهد نَتعرّفُ إلى سِرِّ الثالوثِ الذي ظهَرَ على الأُردُنِّ وإلى مَعنى مَعموديّة المـَسيح التي كانَت بِعُمر الثلاثينَ سنةً تقريبًا. أمّا في عِظة الجَبَل، فسَنتوقَّفُ على مَعنى التَّطويبات، وعلى أهمّيَّةِ الصلاةِ المسيحيّة المـُرفَقة بالصومِ والصَدَقة، وعلى مَوضوعِ العِناية الإلهيّة بالإنسان التي سَتدفعُنا للتعرُّفِ إلى أُقنومِ اللهِ الآب.

مَوضوعُ القِسمِ الثاني مِن هذا الكِتاب هوَ شَرعةُ المـَلكوت الذي أرادَهُ يسوع، والذي تمَّمَهُ بِعِمادِهِ وشرَحَهُ بِتعليمِهِ. فليَكُن قاعدةَ حياتِنا، وقانونَ تَمَوضُعِنا الجديدِ في الجماعَةِ المسيحيّة.

 

3 يعود هذا التصميم لسنة 1917، راجع B.W.BACON، «The ‹Five Books› of Matthew Against the Jews»، The Expositor 8/15 (1918) 56-66.