القسم الخامس / الفصل السابع عشر: إعلان إيمان بطرس

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

يشكّل اعلان بطرس لإيمانه بيسوع ذروة أساسية في الإنجيل. هو «نقطة وصول» لما فهمه التلاميذ، وباسمهم بطرس، في شأن شخصيّة يسوع. وهو «نقطة انطلاق» لفهم المسيح المصلوب، إذ إنّ معرفة بطرس لحقيقة يسوع هي المرحلة الأولى والبدائية للكشف المتكرر لهذه الهوية حتى الوحي الكامل عبر الصليب. إنّ بطرس هو علامة وحدة الكنيسة وعليه أن يثبّت الأخوة في الإيمان والمحبة: «لقد دعوتُ لك يا بطرس، حتى لا تفقد إيمانك، وأنتَ متى رجعتَ ثبّت اخوتك» (لو 23: 32). إنّ إيمان بطرس لهو حاسمٌ في تكوين الجماعة المسيحية الأولى. وهكذا، على كلّ مدعوّ إلى الكهنوت، وكلّ رسول وكلّ كاهن، أن يكون علامةً لوحدة الكنيسة: أن يثبّت الأخوة ويشجّعهم على الاستمرار في الإيمان؛ ألاّ تكون أحاديثه انتقادًا دائمًا للكنيسة، بل عليه أن يبنيها ويوحّدها ويدافع عنها.

مَن هو يسوع بالنسبة إليك؟ قد تكون ذقتَ طعمه اللذيذ وصممتَ على اتّباعه في طريق التكرّس والكهنوت؟ هل ما اختبرتَه يكفي لهكذا دعوة؟ ما هي المؤهّلات التي يجب أن تكون في طالب الكهنوت، وما هو دور الكاهن في الجماعة المسيحيّة؟ هذا ما سنحاول التأمّل به في لقائنا اليوم.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: إعلان إيمان بطرس (متّى 16: 13-20)

13 ولَمَّا وصَلَ يسوعُ إلى نواحي قَيصَرِيَّةِ فيلِبُّس سألَ تَلاميذَه: مَنِ ابنُ الإنسانِ في قَولِ النَّاس؟ 14 فقالوا: بَعْضُهم يقول: هو يوحَنَّا المَعمَدان، وبَعضُهمُ الآخَرُ يقول: هو إيليَّا، وغيرُهم يقول: هو إرْمِيا أو أحَدُ الأنبِياء. 15 فقالَ لَهم: ومَن أنا في قَولِكم أنتُم؟ 16فأجابَ سِمعانُ بُطرس: أنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ. 17 فأجابَه يسوع: طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أبي الذي في السَّمَوات. 18 وأنا أقولُ لكَ: أنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت. 19 وسأُعطيكَ مَفاتيحَ مَلَكوتِ السَّمَوات. فما رَبَطتَهُ في الأرضِ رُبِطَ في السَّمَوات. وما حَلَلتَه في الأرضِ حُلَّ في السَّمَوات. 20 ثُمَّ أوصى تَلاميذَه بِألأ يُخبِروا أحَدًا بِأنَّهُ المسيح.

2. 1- الشرح

في هذا النص مقطعان: الأوّل يدور حول سؤال يسوع عن نفسه (آ. 13-16)، والثاني هو جواب بطرس ليسوع وفيه نفهم دور بطرس المميّز عن الرُّسُل ضمن الجماعة المسيحيّة. فإنجيل متى هو الإنجيل الكنسيّ، نجد فيه شخصية بطرس متألّقة من خلال عدّة نصوص: المشي على الماء، إعلان الإيمان، ودفع ضريبة الهيكل. كان سؤال يسوع الأساسيّ حول «ابن الإنسان» أي المسيح الآتي في الأزمنة الأخيرة (متّى 24: 44؛ دا 7: 13)، والمقصود بهذه العبارة هو نفسه. فكان جواب التلاميذ أنّ البعض يعتقد أنّه يوحنا المعدان، هذا ما كان يظنّه هيرودس (متّى 14: 2). والبعض الآخر يعتقد أنّه إيليّا أي النبي المنتظَر الذي يحضّر لمجيء المسيح. وآخرون قالو إنّه إرميا أو أحد الأنبياء أي الذين لهم شفاعة لدى الله من أجل إسرائيل المظلوم من جرّاء حُكم الأعداء الرومان. أمّا جواب بطرس «أنت المسيح إبن الله الحيّ» فيعبّر عن الإيمان الكامل بأنّ يسوع هو المسيح المنتظر، ابن الله، الذي تحدّث عنه العهد القديم والذي سيعطي الحياة الدائمة من خلال موته على الصليب. بالطبع، لم يكن جواب بطرس هذا بديهيًّا وسهلاً، لذلك يجيبه يسوع موضحًا الأمور التالية:

آ. 17: عبارة «لحم ودم» تعني الانسان كلّه مع التشديد على الناحية الجسديّة الضعيفة فيه وقد حظي بطرس بوحي إلهيّ خاص (مت 11: 25-27) وبنعمة مجانيّة في معرفته سرّ يسوع، متميّزة عن الوحي للتلاميذ الآخَرين؛ هذا أعطى لبطرس، ولخلفائه البابوات من بعده، صبغة رياديّة أوّلية تختلف عن باقي الرُّسُل.
آ. 18: سمّى يسوع سمعان «صخرة» دلالة على دوره الخاص في بناء الكنيسة. فالكنيسة مبنيّة على صخرة الإيمان. وهذه الكنيسة هي خاصة المسيح: «كنيستي» مع ياء المتكلم؛ كلّ المسؤولين فيها هم وكلاء عليها من قِبَله، وقد وُعدت بأنها ستبقى إلى الأبد، ولن تقوى عليها أبواب الجحيم لأنها بُنيَت على الإيمان.
آ. 19: ميزةٌ ثالثة لبطرس هي أنّه أُعطي المفاتيح التي تجعل منه «رب البيت»، يقبل في جماعة المؤنين مَن هم أهلٌ ببيت الله، ويرفض من ليسوا أهلاً به، شرط ألاّ يكون هو كالفريسيين إذ قال لهم يسوع: «الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون، فإنَّكم تُقفلون ملكوتَ السموات في وجوه الناس، فلا أنتم تَدخلون، ولا الذين يريدون الدخول تدعونهم يَدخلون» (متّى 23: 13). ومن ناحية «الحل والربط»، فإنّهما كلمتان استعملها علماء التوراة بالمعنى التنظيمي والعقائدي في ما هو مسموح وما هو ممنوع.

2. 2- التأوين

إنّ يسوع يسألك الآن، عزيزي الموعوظ، كما سأل التلاميذ: مَن أنا بالنسبة إليك؟ هل جوابك هو ما تعلّمتَه من اللاهوت والتعليم المسيحي أم هو جوابٌ شخصي وقائم على اختبار حياتيّ؟ آن الأوان ان تشدّد في حياتك المسيحيّة بالدرجة الأولى على الخبرة الشخصيّة مع المسيح، حيث تبدأ عامةً مسيرة الإيمان، ومن ثمّ تتغذّى من التعليم.

لقد وعد يسوع أنّ أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة المبنيّة على صخرة الإيمان؛ وهذا ما نشهده بالفعل في كنيسة اليوم، بعد ألفَي سنة من التاريخ، بالرغم من الاضطهادات والحروب التي ألـمّـت بها. لكن، في قراءة معاكسة، نستطيع أن نرى في وعد يسوع هذا تحذيرًا لكلّ جماعة، أو عائلة، أو حياة بشريّة تعيش دون إيمان، ومبنيّة على عادات وإجتماعيّات بعيدة كلّ البُعد عن العمق الروحيّ الذي أراده يسوع، عندها، فلتخَفْ، لأنها قد لا تتأخّر في أن تنهار وتزول!

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: سرّ الكهنوت

إنّه من الأسرار المهمّة في حياة الكنيسة، وقد وضعه الربّ يسوع لكي يبني كنيسته. نسمّيه أيضاً سرّ الخدمة لأن الكاهن (وأصل الكلمة يعني الخادم) قد اختاره الله وأقامه لا لقداسته هو فقط، بل خاصّة لأجل خدمة شعب الله. تؤمن الكنيسة بالتسلسل الرسولي، أي إن الربّ يسوع اختار رسله الاثني عشر وأسس عليهم كنيسته، وهؤلاء قد أقاموا خداماً لشعب الله لكي يتابعوا المهمّة، وهؤلاء بدورهم أقاموا من يخلفهم، وهكذا دواليك، وبالاختيار ووضع اليد لا تزال السلسلة الرسولية قائمة منذ المسيح، مروراً برسله وصولاً إلى الأساقفة اليوم الذين يرسمون كهنة ليخدموا شعب الربّ.

ويعمل الأسقف ومعه الكهنة على رعاية الكنيسة وبنائها وفق المهمات الثلاث الأساسية: التعليم والتقديس والتدبير.

التعليم، أي إنهم يتلقّون كلمة الله المعلنة في الإنجيل وإيمان الكنيسة. هم مسؤولون عن إعلانها وشرحها. لذلك عليهم أن يدرسوها ويتأملوا فيها ويستلهموا نورها لكي يحسنوا التصرّف في حياتهم واختيار المواقف التي توافق الإنجيل. ليس ذلك حكراً على الكهنة، بل على كلّ مؤمن أن يدخل في معرفة تعاليم الإيمان المسيحي، معرفة نظرية وعملية، أي في الفكر وفي التطبيق. لكن الربّ أعطى رسله، وبالتالي من يخلفهم من الأساقفة والكهنة مسؤولية توضيح التعاليم الصحيحة لئلاّ يدخل الضلال والهرطقات في تفكير المؤمنين. لذلك نؤمن أن إيمان بطرس لا يزال يجسّده إيمان أسقف روما، أي قداسة البابا. وهو بدوره يحدّد أطر الإيمان السليم بالاشتراك مع سائر الأساقفة في العالم.

التقديس، الأمر نفسه نقوله في هذا الشأن. كلّ مؤمن معني بتقديس العالم، فكل معمّد هو عضو في جسد المسيح وهيكل للروح القُدُس. لكن الكهنة أعطيت لهم مهمّة الاحتفالات الكنسية، وخاصة الأسرار. فهم يعمّدون ويثبّتون ويحلّون من الخطايا…

التدبير، هو طبعاً إدارة شعب الله. هذا لا يعني الاهتمام بالأمور التنظيمية فحسب، بل هو يعني الرعاية الشاملة. فيسهر الكهنة على الرعية، يسألون عن الغائب وعن المريض، ويدفعون الجماعة إلى الاهتمام بالفقير، ويقيمون النشاطات التي تزرع فرح الربّ في القلوب، ينظمون الرسالات والجماعات لكي تنمو الحياة المسيحية الحقيقية بكل أبعادها لدى المؤمنين.

يسوع المسيح هو الكاهن الأول، ونكاد نقول إنه الكاهن الوحيد، أما الباقون فهم كهنة فيه. لأن تقدمتهم هي تقدمته التي جرت على الصليب، ولأن المعمودية يقيمونها باسمه وفيه، ولأن غفران الخطايا بنعمة صليبه الذي محا آثامنا… هو الذي حمل إنسانيتنا ودخل بها إلى قدس الأقداس، أي إلى السماء حيث عرش الله. بنعمته نحن ننال كلّ النعم، هو الطريق والحقّ والحياة. وتعمل الكنيسة بكهنتها ومؤمنيها، كلّ واحد بحسب موهبته ودعوته، على تهيئة النفوس ليصبح المسيح كلاًّ في الكلّ.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قراءةٌ من وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني المسكوني

دعوة الكهنة إلى القداسة

إنّ الكهنة هم خدّام المسيح رأس الكنيسة، يعملون على بناء وتشييد جسده الذي هو الكنيسة ذاتها، وذلك كمساعدين للهيئة الأسقفيّة. فبسرّ الكهنوت، تنطبع فيهم صورة المسيح الكاهن. لقد قبلوا بسرّ العماد كسائر المسيحيين، موهبة النعمة وعلامتها والدعوة العظيمة هذه، كي يستطيعوا مع ضعفهم البشريّ الوصول إلى الكمال، الذي يجب عليهم نيله، بحسب كلام الرب القائل: «كونوا كاملين كما أنّ اباكم السماويّ كاملٌ هو» (متى 5: 48). فعلى الكهنة أن يُحصّلوا بصورة خاصة هذا الكمال، وقد صاروا آلات حيّة للمسيح الكاهن الأزليّ، بتكريسهم الجديد لله بسرّ الكهنوت. فيستطيعون أن يُتمموا، بجدارة في الزمن، عمل المسيح الفريد الذي، بفاعليّة فائقة، جدّد البشريّة كلّها. وبما أنّ كلّ كاهن يقوم مقام المسيح على طريقته الخاصة، فإنّه يُمنَح نعمة فريدة لكي، بخدمة الجماعة الموكلة إليه أمرها، وبخدمة شعب الله كلّه، يتوصّل، بصورة أنجع إلى اكتساب كمال ذلك الذي يمثّل، ولكي تُداوي ضعف جسدنا البشريّ قداسةُ مَن صار الحَبر «القدوس البريء والمنزّه عن الخطأ» (عب 7: 26).

فالمسيح الذي قدّسه أي كرّسه الآب وأرسله إلى العالم، «بذل نفسه لأجلنا ليفتدينا من كلّ إثمٍ ويطهّر لنفسه شعبًا خاصًا غيورًا على الأعمال الصالحة» (طيطي 2: 14). وهكذا دخل في مجده بعد أن تحمّل الآلام، وعلى غراره، يجب على الكهنة الذين كرَّسَتهم مسحةُ الروح القُدُس وأرسَلَهم المسيح، أن يُميتوا فيهم اعمال الجسد وينذروا أنفسهم بكاملها لخدمة البشر، فيستطيعوا بالقداسة التي وهبهم إيّاها المسيح أن يقتربوا من الانسان الكامل.

(قرار مجمعيّ في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية، 12)