القسم الرابع / الفصل الحادي عشر: مدن البحيرة والبسطاء

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

قد نتَساءَلُ لماذا يَرفُضُ البَعضُ أن يؤمِنوا بالرَّغم مِن كَثرَة القِدّيسين والظُّهوراتِ التي نِجدُها اليَومَ في عالَمِنا المـَسيحيِّ. هل يَكشِفُ اللهُ عَن إرادَتِهِ الخلاصيّةِ لبَعضِ النُّخبَة أم لِجَميعِ الناسِ؟ جَرَت أيّامَ المسيح آياتٌ كَثيرَةٌ؛ بالرغم مِن ذَلك، قبِلَ المـَلكوتَ البُسطاءُ والأطفال. كيفَ نَفهَمُ مَوضوعَ النِّعمَةِ أو الوَحي الخاصّ، وما علاقَتُهُ بالتَّوبَةِ والإيمان؟ إنّ إنجيلَ اليَوم يُهدِّدُ غيرَ التائِبِ وغيرَ المـؤمِن بالهُبوطِ إلى الجَحيمِ، كمَا أنَّهُ يَعِدُ بالراحَةِ جَميعَ المـُرهَقين والمـُتعَبين تحتَ ثِقل الأعباء. رُبَّما نَعيشُ اليومَ فَترةَ هُمومٍ وتَعَبٍ في حَياتِنا، لذلِكَ يُمكِنُنا أن نسمَعَ كَلماتِ القِديس أوغسطينوس يَهمِسُ في أذهانِنا: «لقد خَلقتَنا يا ربُّ، وقلبُنا لا يزالُ قَلِقًا إلى أن يرتاحَ فيك».

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: يسوعُ يُعنِّفُ مُدُنَ البُحَيرة (11: 20-24)، وأسرارُ الله تُكشَفُ للبُسطاء (11: 25-30)

20 ثُمَّ أخَذَ يُعَنِّفُ المـُدُن التي جَرَت فيها أكثرُ مُعجِزاتِه بِأنَّها ما تابَت فقال: 21 الوَيلُ لَكِ يا كُورَزين! الوَيلُ لَكِ يا بَيتَ صَيدا! فلَو جَرى في صُورَ وصَيدا ما جرى فيكُما مِنَ المُعجزات، لَتابَتا تَوبةً بِالمِسِح والرَّمادِ مِن زَمَنٍ بَعيد. 22 على أنِّي أقولُ لكم: إنَّ صُورَ وصَيدا سيَكونُ مَصيرُهُما يَومَ الدَّينونَةِ أخَفَّ وَطأةً مِن مَصيرِكُما. 23 وأنتِ، يا كَفَرناحوم، أتُراكِ تُرفَعينَ إلى السَّماء؟ سيُهبَطُ بِكِ إلى مَثْوى الأموات. فلَو جَرَى في سَدومَ ما جرى فيكِ مِنَ المـُعجِزات، لَبَقِيَت إلى اليَوم. 24 على أنِّي أقولُ لَكم: إنَّ أرضَ سَدومَ سَيَكونُ مَصيرُها يَومَ الدَّينونةِ أخَفَّ وَطأةً مِن مَصيرِكِ.

25 في ذلكَ الوقتِ تكلَّمَ يسوعُ فقال: أحمَدُكَ يا أبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأرض، على أنَّكَ أخفَيتَ هذهِ الأشياءَ على الحُكَماءِ والأذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. 26 نَعَم يا أبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك. 27 قد سَلَّمَني أبي كُلَّ شَيء، فما مِن أحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إلا الآب، ولا مِن أحدٍ يَعرِفُ الآبَ إلا الابن ومَن شاءَ الابنُ أن يَكشِفَه لَه. 28 تَعالَوا إليَّ جَميعًا أيُّها المـُرهَقونَ المـُثقَلون، وأنا أُريحُكم. 29 احمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، 30 لأنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف.

2. 1- الشرح

نحنُ أمامَ نَصَّيَن مُتتاليَين مِن إنجيلِ مَتّى. يُعطي الأوَّلُ (11: 20-24) صورةً قاتِمةً عَن عَدَمِ تَقبُّلِ يسوع ورسالَتِهِ وعن عَدمِ التوبة، ويُعطي الثاني (11: 25-30) الصورةَ الإيجابيّةَ عن الوَحي الذي خَصَّهُ اللهُ بالبُسطاء والمـُرهَقينَ بالأثقال.

يَعرِضُ النصُّ الأوَّل (متّى 11: 20-24) واقِعَ بَعضِ المـُدُن المـُحيطة ببُحَيرةِ طَبريّة التي لم تؤمِن برسالةِ المسيح. فقد عَرَفنا في بِدايةِ الإنجيل (متّى 4: 23-25) أنّ يسوع بَشَّرَ في الجليل وأنّ شُهرَتَهُ طالَت كُلَّ الجِوار فتهافَتَ إليهِ كثيرٌ منَ الناس. معَ هذا، لقد وبَّخَ يسوع أهلَ زَمانِهِ لأنَّهُم رَفَضوا رِسالةَ يوحنَّا المـَعمَدان ورسالَتَهُ هوَ، فالمـَعمَدان، برأيهِم، كانَ يُكثِرُ مِن التَّقشُّفات، ويسوع، يُؤاكِلُ العَشّارين (11: 16-19). وهُنا تتّضِحُ الصورةُ: مُدُن البُحيرة التي حَصَلَت على أكثر مُعجِزاتِه لم تَتُب! فيَأتي يسوعُ بطريقَةٍ قاسية غير اعتياديّة مُعنِّفًا سُكّانَ هذهِ المـُدُن، كورزين وبيتَ صَيدا وكَفَرناحوم، ومُهدِّدًا بوَيلِ الهُبوطِ إلى الجَحيم وبالقَصاص الأخيريّ. لقد كان هدَفُ العَجائِبِ أن تُحرِّكَ التوبةَ عِندَ أهلِ هذه المـُدُن وأن تُبقيهم في حياةٍ دائِمة، إلاّ أنّهُم بسببِ عدمِ توبَتِهم سيَنالونَ دَينونةً عُظمى. إنّ يسوعَ، في توصيفِهِ لهذا المـَصير المـُخيف، لا يُقفِلُ البابَ نِهائيًّا، إنّما، بكثرِةِ رحمَتِهِ، سَيزورُ كَفَرناحوم ومُدُنَ البُحيرة مُجدَّدًا (متّى 14: 14؛ 17: 24). فالتوبةُ هيَ إمكانيّةٌ دائِمة للمؤمِن.

يَتحدَّثُ النصُّ الثاني (متّى 11: 25-30) عَن صلاةٍ ودَعوة: صلاةُ يسوع هيَ تَسبيحٌ موجَّهٌ نحوَ الآب. فاللهُ يوحي بإرادَتِهِ للأطفال. فيَسوعُ هوَ ابنُ اللهِ والكاشِفُ الوَحيدُ الحَقيقيّ عَن إرادَتِهِ. وقد أعطى يَسوعُ للكَنيسة مِن بَعدِهِ أن تُكمِلَ إعلانَ حُبِّ الله للبَشَر. فمَن يكتَشِفُ بتَعليمِ يَسوع وكَنيسَتِهِ إرادةَ الآب يَكونُ منَ المـُتواضِعينَ الصِّغار، الذينَ بإمكانِهِم أن يُسبِّحوا اللهَ كأطفالِ الشعانين الذينَ قيلَ عنهُم «بأفواهِ الأطفال والرُّضَّع أسسَت لكَ عِزّةً» (متّى 21: 16). أمّا الحُكَماء والفُهَماء فهُم كُلُّ الذينَ يَعرفونَ جَيّدًا الكُتُبَ المـُقدَّسَة ويُملونَ وصاياهُم على الناس، دونَ أن يَعملوا بموجَبِها، لأنّها نِيرٌ ثقيلٌ مَليءٌ بالزياداتِ على روحِ الشريعة. لذلكَ يَدعو يسوعُ في القِسمِ الثاني مِن هذا النص (11: 28-30) كُلَّ الذينَ أرهقَتهُم الإضافاتُ على الشريعَةِ، أن يَحملوا نيرَهُ، أي تعليمَهُ اللطيف والخَفيف. هذا لا يَعني أنّ تَعليمَ يَسوع أسهَلُ من تَعليمِ الفرّيسيين، إنّما مَن يَعيشُ إرادَةِ اللهِ في حَياتِهِ لا يَتصنَّعُ ولا يَتباهى ولا يَظهَرُ بوجهَين، وبذلِكَ تَكونُ حياتُهُ أسهَلُ مِمَّن يَتعالى ويَتكبَّرُ على غَيرِهِ: فهَذِهِ الوَضعيّةُ المـُتشامِخة تَجعَلُ صاحِبَها تَعِبًا بِسبَبِ ثِقَلِ الأقنِعة التي تُخفي حَقيقَتَهُ.

2. 2- التأوين

عَلينا أن نَفتَحَ عُيونَ قلبِنا فنَرى عَمَلَ اللهِ في حَياتِنا وفي العالَم. إنّ مُشكِلةَ الإنسانِ أنّهُ يَنسى تَدخُّلاتِ اللهِ الكَثيرةَ في حَياتِهِ. فمَن يَعرِفُ أنّ اللهَ حاضِرٌ وفعّال، عَليهِ أن يَتوبَ إليه، فيَعتَرِفَ بِعطاياهُ، ويَجعلَ مِن حياتِهِ سيرَةً مُطابِقةً لِتعاليمِهِ. في مَسيرتِنا نحوَ العِماد، مِنَ الواجِبِ التَّفكيرُ بمَوضوعِ التوبة جِدّيًا، والانِخراطِ في مَسيرَةِ تغييرِ القَلبِ والذهنيَّة، فنُجاوِبَ بإيمانٍ جَديد عَن كَشفِ اللهِ لحُبِّهِ لنا.

يُعلِّمُنا يسوعُ أن نُسبِّحَ الآبَ على مَواهِبِهِ وعَطاياه. إنّ صلاتَنا لا تَقومُ فقط على الطلباتِ إنّما بالدرَجةِ الأولى على شُكرِ اللهِ وتَمجيدِهِ؛ فمَن يَعرِفُ أن يَشكُرَ الله يُغمَر بالنِّعَمِ والبركات.

يَدعونا يَسوعُ المـُتواضِعُ القلبِ للتَّشبُّهِ به. لقد أوصَلَهُ تواضُعُه أن يَصيرَ عبدَ اللهِ المـُتألِّم، «قَصَبةً مَرضوضةً لا يَكسِر وفَتيلَةً مُدخِّنةً لا يُطفِئ» (متّى 12: 20). فمَن يَتواضَع مِثلَ يَسوع يُرفَع. ومَن يَستقبِل المـَلكوت كَطفلٍ يُعَدُّ كبيرًا في السماء. إنّ القيامَ بواجِباتِنا البَسيطةِ الصغيرة يُوصِلُنا إلى القدَاسة. هكذا فَهِمَت القِديسَةُ تريزيا الطفل يسوع طريقَ الكَمال فعلَّمَتنا بمَـثَـلِها «الطفولَةَ الرُّوحيَّة».

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: الوَحي – اللهُ يَكشِفُ عَن ذاتِهِ للإنسان

مُنذُ أن خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ مَدَّ يَدَهُ صَوبَ الإنسانِ بِمَحَبّةٍ، ليُساعِدَهُ وفي الوَقتِ عَينِهِ ليَكشِفَ لهُ عَن نَفسِهِ فيَتمَكَّنَ هذا الأخيرُ مِنَ الدُّخولِ معَ اللهِ في علاقَةٍ شَخصيّة، إطارُها الإيمان. وهيَ نِعمَةٌ كَبيرة أن يَدخُلَ الإنسانُ في فَهمِ سِرِّ الله، ليَعرِفَهُ ويُحِبَّهُ. وَحيُ الله مَسيرَةٌ طَويلَةٌ ابتدَأت في أوَّلِ التَّاريخ وبَلغَت ذُروَتَها بيَسوعَ المسيح، ابن الله وكَلِمَتَهُ النِّهائية. ويَستمِرُّ عَيشُها بِشَكلٍ حَيٍّ في الكَنيسة، فتَـفهَمُ يَومًا بعدَ يَومٍ عُمقَ سِرِّ اللهِ وغِناه.

مِنَ الضروري التَّشديدُ على أنَّ كَشْفَ اللهِ عَن نفسِهِ لم يَكُن بأنّه أرسَلَ أفكارًا أو فَلسفَةً، أو أنزَلَ كلِماتٍ جاهِزة تُخبِرُ عَنهُ. بل إنَّ وَحيَهُ رافَقَ تَدَخُّلَهُ في التَّاريخِ. ومِن ذُروَةِ المـَحبَّةِ أن يترافَقَ كَشفُهُ عَن ذاتِهِ معَ خلاصِه لنا. فلو إنَّهُ خَلَّصَنا دونَ أن يُخبِرَنا عن هَويَتهِ، لكانَ خلاصُهُ مُساعدَةً خارِجَةً عنهُ، كمَن يُعطي حَسَنةً، وهوَ غَنيٌّ، لأُناسٍ فُقراء، ويُريدُهُم أن يَبقوا بَعيدينَ عنهُ. لكنَّ خلاصَ اللهِ اشتِراكٌ في حياتِهِ، تَبنَّانا بابنهِ الوَحيد، ربّنا يسوع المسيح. لذلكَ أرادَ فِعلاً أن نتَعرَّفهُ لكي نُحِبَّهُ ونُقيمَ معَهُ علاقَة الأبناءِ بأبيهم. ومِن جِهةٍ ثانية، لو أنّهُ كشفَ عن نفسِهِ دونَ أن يُخلِّصَنا، لَبَدا كمَن يتعالى عنّا وكأنّهُ يَترُكُنا في بؤسِنا. لا وحيَ مِن دونِ خلاص، ولا خلاصَ من دونِ وَحي. إنها إرادَةُ الله ومَحبَّتُهُ اللامحدودة، لقد حَسُنَ لديهِ كُلُّ هذا التدبير لأجلِنا.

تدَخَّلَ اللهُ في قَديمِ الأيامِ وخاطَبَ آدم، ثمَّ نوح وأقامَ معَهُ عَهدًا. ثم خاطَبَ إبراهيمَ وأعطاهُ نَسلاً، وخاطَبَ غَيرَهُم… ولم يَكُن تَدخُّلُه معَ الأفرادِ لأجلِهم وَحدَهُم بل في سَبيل شَعبِهِ، بل في سَبيل كُلِّ الأُمَم. وكانَ يُحمِّلُهُم رِسالَةً تَشرَحُ مَعنى تَدخُّلِه والمـَسيرةَ التي يَقترِحُها على الإنسان. ثم كانَ الخُروجُ مِن مِصرَ إلى أرضِ الميعاد بفَضلِ ذِراعِ الربِّ القَويّة. ورافَقَهُم لَيلاً ونهارًا … وهكَذا استَمرَّ اللهُ مُكلِّمًا شَعبَهُ بأشكالٍ شَتَّى وطُرُقٍ مُتنوِّعة، حتى كلَّمَنا في هذهِ الأيامِ الأخيرة بابنِهِ الوَحيد (عب 1). فمعَ يسوع تمَّ مِلءُ الوَحي.

لما طلَبَ فيليبُس مِن يسوعَ أن يَكشِفَ لهُ الآب أجابَهُ الربُّ: «مَن رآني رأى الله». وقالَ يُوحنَّا في بَدءِ إنجيله: «اللهُ ما رآهُ أحدٌ قَطّ، الابنُ الوَحيد الذي في حِضنِ الآب هوَ أخبَرَ عنهُ». كانَ يسوع كلمَتَهُ بأقوالِهِ وأفعالِهِ، بكُلِّ حياتِهِ، بما عَمِلَهُ وعلَّمَهُ. لهذا دعا تلاميذَهُ ليَعيشوا معَهُ طيلةَ حياتِهِ العلَنيّة، لكي يَروا ويَلمِسوا ويَسمعوا، بحواسّهم مَن هوَ الله. وكانَت الذروةُ حينَ شاهَدوه قائِمًا مِنَ الموتِ مُمَجّدًا، عندَها أدركوا بنعمَةِ الروحِ القُدُس أنَّهُ مِن جَوهَرِ الله نفسِه، مِلؤهُ النعمَةُ والحقّ.

تَحمِلُ الكَنيسةُ إلى اليَوم هذا الاختِبار وتَنقُلُه مِن جيلٍ إلى جيل. وكانَت في كُلِّ زمنٍ كلمةُ اللهِ الحاضِرة في إيمانِ الكنيسة، نورًا للمؤمِنين تَهديهم في مَواقِفهِم وفي علاقَتِهم بالله، علاقةً تُعطيهم الحياة. تَدخُلُ الكَنيسةُ إذن عبرَ الأجيالِ في فَهمٍ أفضَل لِهذا الاختِبارِ العَظيم، وتُعبِّرُ عنهُ في تعاليمِها وعقائِدِها، مُستنيرةً دومًا بكُتُبِ العَهد الجَديد، منَ الأناجيلِ حتى سِفرِ الرؤيا، فهيَ قلبُ الوَحي وإليها تَعودُ باستِمرار لتَمتين إيمانِها.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قِراءةٌ من إكليمنضوس الإسكندَريّ (+ قبل 215)

عِمادُ التنوير

متى نَعتَمِد نَستَنِر، ومتى نَستَنِر نُضحِ أبناءً، ومتى نُضحِ أبناءً نُضحِ كامِلين، ومتى نُضحِ كامِلين نأخُذ عَدَمُ المـَوت: «قد قُلتُ إنّكُم آلِهةٌ وبَنو العَليّ كلُّكُم» (مز 81: 6). إلى هذا العِمادِ تُنسَبُ أسماءٌ مُختلِفة. العِماد نِعمَةٌ، استِنارة، غُسل، إكمال: «غُسلٌ» لأنّنا به نَتنقّى مِن آثامِنا. و»نِعمَةٌ» لأنَّ القِصاصَ المـُترتِّبُ على خطايانا قد أُبطِلَ. و»استِنارةٌ» لأنَّنا نتأمَّلُ نورَ خلاصِنا المـُقدَّس، وننفُذُ بالبَصيرَةِ إلى الأشياءِ الإلهيَّة. و»إكمالٌ» لأننا لا يَنقُصُنا معَهُ شَيءٌ…

والإنسانُ فَورَ اعتِمادِهِ، يُدعَى «مُستَنيرًا»: لقد تحرَّرَ فِعلاً مِنَ الظُّلُمات، ونَعِمَ بالنور. فحينَ نَنفُضُ عنّا الرُّقاد، نَدخُلُ توًّا في حالَةِ اليَقظة. وحينَ نمسَحُ الضبابَ عَن عُيونِنا، تَكتَشِفُ البَصَر. والنَّظَرُ لا يأتي مِنَ الخارِج، بل قد أزلنا ما كانَ يحجُبُ العَين، فحَرَّرْنا حَدَقةَ العَين.

فالأمرُ عينُهُ يحدُثُ في العِماد: لقد تحرَّرنا مِن خطايانا التي كانَت سحابةً تَحجُب عنّا الروحَ الإلهيّ. فإذا بعَينِ روحِنا قد تحرَّرَت هيَ أيضًا، فانقشَعَ ضبابُها واستنارَت. وهذهِ العينُ وحدُها، تجعلُنا نتأمَّلُ الأمورَ الإلهيّةَ. وهكذا يتغلغَلُ فينا الروحُ القُدُس الهابِطُ منَ السَّماء، وهوَ شذا الضياءِ السرمَديّ، ويُمَكِّنُنا من تأمُّلِ النور الأبديّ… وفَورَ ارتدادِنا إلى اللهِ، ننبُذُ تَحمُّلَ نتائجَ خَطايانا، ونَشِفُّ بالعِماد ونُسرِعُ نحوَ النورِ الأبديّ أبناءً يَركضونَ إلى أبيهم السماويّ.

(المـُربّي، 1، 6)