القسم الرابع / الفصل الرابع عشر: مثل السامري الصالح

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

يَطرَحُ مَثلُ السامريّ مَوضوعَ العلاقةِ معَ الأعداءِ ومَوضوعَ الرَّحمَةِ، ونَجدُ في الأدواتِ المـُستعمَلَةِ لتَطييبِ الِجراحِ، الزَّيت والخَمر، وسائِلَ شِفاءٍ تُستَخدَمُ في الطبِّ القَديمِ ورُموزَ شِفاءٍ للنَّفسِ وللجَسَد في الحَياةِ الكنَسيَّةِ الدِّينيّة.

مَن هوَ عَدوُّكَ؟ وكيفَ تتعامَلُ معَهُ؟ هل سبَقَ لكَ أن تعاطَفتَ معَ جَريحٍ أو مِسكين؟ ما خِبرَتُكَ في أعمالِ الرَّحمَةِ الجَسديّةِ والروحيّة؟ قد يكونُ سَهلاً مُساعَدَةُ أصدقائِنا وأهلِنا عِندما يَكونونَ في الحاجَةِ، وحتى لا شعوريًّا قد نتعاطَفُ مَعَ مَن لا نعرِفُهُم، لكن، هل يُمكِنُنا أن نقومَ بِعمَلِ مَحبّةٍ تجاهَ شخصٍ أهانَنا أو تَسبَبَ لنا في أذيَّةٍ كبيرة؟ وكيفَ يُمكِنُ لسرِّ مَسحَةِ المـَرضى أن يكونَ لهُ مَفاعيلَ روحيّةً وجسديّة؟ هذا ما سنُحاوِلُ الإجابَةَ عنهُ في لقائِنا اليَوم.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: لقاءُ يسوع بِنيقوديموس (يو 3: 1-21)

25 وإذا أحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ قَد قامَ فقالَ لِيُحرِجَهُ: يا مُعَلِّمُ، ماذا أعمَلُ لِأرِثَ الحيَاةَ الأبَدِيَّة؟ 26 فقالَ لهُ: ماذا كُتِبَ في الشَّريعَةِ؟ كَيفَ تَقرأ؟ 27 فأجابَ: أحبِبِ الرَّبَّ إلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهنِكَ وأحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ. 28 فقالَ لَه: بالصَّوابِ أجَبْتَ. اِعمَلْ هذا تَحْيَ.

29 فأرادَ أن يُزَكِّيَ نَفسَه فقالَ لِيَسوع: ومَن قَريبي؟ 30 فأجابَ يَسوع: كانَ رَجُلٌ نازِلاً مِن أُورَشَليم إلى أريحا، فوقَعَ بِأيدي اللُّصوص. فعَرَّوهُ وانهالوا علَيهِ بِالضَّرْب. ثمَّ مَضَوا وقد تَركوهُ بَينَ حَيٍّ ومَيْت. 31 فاتَّفَقَ أنَّ كاهِنًا كانَ نازِلاً في ذلكَ الطَّريق، فرآهُ فمَالَ عَنهُ ومَضى. 32 وكَذلِكَ وصلَ لاوِيٌّ إلى المـَكان، فَرآهُ فمَالَ عَنهُ ومَضى. 33 ووَصَلَ إلَيه سَامِرِيٌّ مُسافِر ورَآهُ فأشفَقَ علَيهِ، 34 فدَنا منهُ وضَمَدَ جِراحَهُ، وصَبَّ علَيها زَيتًا وخَمرًا، ثُمَّ حَمَلَهُ على دابَّتِهِ وذَهَبَ بِه إلى فُندُقٍ واعتَنى بِأمرِه. 35 وفي الغَدِ أخرَجَ دينارَيْن، ودَفَعهما إلى صاحِبِ الفُندُقِ وقال: اعتَنِ بِأمرِه، ومَهْما أنفَقتَ زيادةً على ذلك، أُؤَدِّيهِ أنا إليكَ عِندَ عَودَتي. 36 فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الذي وَقَعَ بِأيدي اللُّصوص؟ 37 فقال: الذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة. فقالَ لَه يَسوع: اِذْهَبْ فاعمَلْ أنتَ أيضًا مِثْلَ ذلك.

2. 1- الشرح

يأتي نَصُّ السَّامريِّ الصَّالِح ضِمنَ مَسيرَةِ صُعودِ يَسوعَ إلى أورشَليم بحَسَبِ إنجيلِ لوقا وضِمنَ مُحادَثةٍ معَ أحدِ عُلماءِ التَّوراةِ حَولَ مَحبَّةِ اللهِ والقَريب. ويُقسَمُ إلى مَقطعَين واضحَين: مَقطَعٌ أوَّل تَعليميّ (آ. 25-28) حولَ الحياةِ الأبديّة؛ ومَقطَعٌ ثانٍ (آ. 29-37) فيه المـَثـَل والخُلاصة. وفي كلٍّ مِنَ المـَقطعَين نَجدُ التَّصميمَ نفسهُ:

سؤالٌ مِن عالِمِ الشريعةِ (آ. 25)؛                       سؤالٌ مِن عالِمِ الشريعة (آ. 29)
جوابٌ بسؤالٍ مِن يسوع (آ. 26)                         جوابٌ بمَثلٍ وسؤالٍ مِن يسوع (آ. 30-36)
جوابٌ مِن عالمِ الشريعة (آ. 27)                         جوابٌ مِن عالمِ الشريعة (آ. 37 أ)
تأكيدٌ على الجوابِ مِن قِبَلِ يسوع (آ. 28)             تأكيدٌ على الجوابِ مِن قِبَلِ يسوع (آ. 37ب)

يَبدأُ النصُّ بِسؤالٍ جَوهَريّ: ماذا أعمَلُ لأرِثَ الحياةَ الأبديَّةَ (آ. 25)؟ هذا السؤالُ هوَ تَعبيرٌ عَن تفكيرٍ جَدّي في الخلاص، فكُلُّنا نتوقُ إلى الحَياةِ الأبديّة. يُشيرُ جوابُ يَسوع (آ. 26) إلى استِمراريَّةِ العَمَلِ بالشريعَةِ في العَهدِ الجَديد: فالوصايا العَشرُ لم تَنتهِ صلاحيَّتُها. إنّ إنسانَ اليومِ قد لا يَحلو لهُ سماعُ صيغةِ أفعالِ الأمرِ وقد يَبتَعِدُ عَن كُلِّ أنواعِ الفرائِضِ والقوانينِ الخارِجيّة، وذلكَ بتأثُّرٍ من العلومُ النَّفسيَّةِ والاجتِماعيَّةِ التي تُركِّزُ على الأنا والرغباتِ الداخليّةِ وعلى عَدَمِ الحَدِّ منَ التطوّرِ الشخصانيّ في مَبدَأ الحُريّة. لكنَّ انتِماءَ الوصايا العَشر إلى إطارٍ لاهوتيّ يُخبِئُ في طيّاتِهِ فِكرًا أدبيًا مُتَّزِنًا لعالمِ اليَوم، إذ ينقلُ بِعُمقِ كلماتِهِ قِيَمًا فيها خيرُ الإنسانِ على مرِّ الأجيال. هذهِ القيَمُ هيَ: الوعيُ على حُضورِ اللهِ وعمَلِهِ في العالم؛ إعطاءُ قيمَةٍ للبُعدِ المـُقدَّسِ للزمَن وللتناسُقِ بينَ العَمَلِ والراحة؛ الحَثُ ّعلى استِقرارِ العلاقَةِ بينَ الرجُلِ وزوجَتِهِ وعلى عَيشِ التضامُنِ بينَ أفرادِ العائِلَةِ الواحِدة؛ احتِرامُ حَقِّ الحياةِ وكرامتِها؛ واحتِرامُ الأشخاصِ ومُلكيّاتُهُم. هذا ما جعلَ المسيح (مر 12: 29-31) يُلخِّصُ الوصايا باثنتَين: أحبِبِ الرَّبَّ إلهَكَ كوصيّةٍ أولى، وأحبِب قريبَكَ كنفسِكَ كوصيّةٍ ثانية تُشبِهُ الأولى، وكأنّهُما وَجهانِ لعُملَةِ نُقودٍ واحِدة. حبُّ اللهِ (تث 6: 5) وحُبُّ القَريبِ (لا 19: 18) هُما خُلاصَةُ الشريعَةِ؛ فالإيمانُ الحقيقيُّ عليهِ أن يُتَرجَم في العلاقاتِ في الحياة.

مَنِ القَريبُ بنَظرِ اليَهوديِّ (آ. 29)؟ كُلّ يَهوديٍّ، وأيضًا كُلُّ غَريبٍ يَسكُنُ بينَ اليَهودِ، هوَ القَريبُ (أح 19: 34)، وحتّى الدُّخلاءُ أيضًا منَ الوثنيينَ إلى اليَهودِ هُم أقارِب. لكن، لا امتِدادَ شموليًّا لهذا التعبير، وخاصةً لا يشمُلُ الأعداءَ (والسامريين)، بالرغمِ من خِلافاتِهم حولَ مَفهومِهِ. إنّ غايَةَ النَّصِّ الدعوةُ إلى مَحبَةِ الأعداء؛ والعدوُّ هوَ آخِرُ الأقرباء. تاريخُ العداوةِ بينَ اليَهودِ والسامريين بدَأ بعدَ مَوتِ سُليمانَ الملك سنة 935 ق. م. حينَ انقسَمَتِ المـَملَكةُ إلى قِسمَين: مَملكةُ إسرائيلَ شمالا عاصِمَتُها السَّامِرة يَرأسُها قائِدُ الجَيشِ، ومملَكَةُ اليَّهوديَّةِ جَنوبًا عاصِمَتُها أورشليم ويَرأسُها ابنُ سُليمان. الانفِصالُ الثاني تمَّ سنة 721 ق.م. عندما هُجِّرَ أهلُ السَّامِرة بِواسِطَةِ الآشوريين (السَّبيُ الصَّغير) وحَلَّ مَكانَهُم وثنيّونَ غُرباء اختَلَطوا بأهلِ السامِرة وزادوا آلِهتَهُم الوثنيّةَ على الإلهِ الحقيقيّ؛ فأصبحَ اليَهودُ يَنعتونَهُم قائِلين «السَّامِريّونَ المـُشرِكونَ». جرى الانفصالُ الثالثُ في القَرنِ الرابع ق.م. حينَ شيّدَ السامريّون هَيكلًا في جَبلِ غريزيم وأصبحَ مَكانَ حجٍّ لهم مُضاهيًا لهَيكلِ أورشليم. وتمَّ الانفِصالُ الرابعُ سنةَ 128 ق.م. حينَ أحرَقَ الملكُ اليَّهوديُّ يوحنَّا هيركان هَيكلَ السَّامِرة مما زادَ العداوة.

يَصِفُ المـَثـَلُ بحَدِّ ذاتِهِ واقِعًا حَقيقيًا: أورشليم مُرتفِعةٌ حَوالي 750م، الطريقُ ينزِلُ مِنها بِطولِ 27 كم إلى أريحا المـُرتفِعة 250م. كانَ الطريقُ بينَ أورشليم وأريحا خَطِرًا بسبَبِ مُرورِهِ بِوادٍ مُقفِرٍ يَستغِلُّهُ اللصوصُ للسرقة. القِصَّةُ إذن التي رواها يسوع كانَت شائِعةً في تِلكَ الأيام. لكنَّ المـُلفِتَ هوَ اختِيارُ شَخصياتِ المارّة: الكاهِنُ واللاوي والسامريّ. في أريحا كانَ يَسكُنُ كثيرٌ مِن الكَهَنة (خُدّامُ الذبائِح) معَ اللاويين (نواطيرُ الهَيكل). وكانوا يَذهبونَ مَرةً في السنة عِندما يَجيءُ دَورُهم في الخِدمة. مَوقِفُهُما مِنَ الـمُمكِن أن يَعودَ إلى عِدَّةِ أسبابٍ كما قد يحصلُ معَ أيِّ إنسانٍ في ظُروفٍ مُماثِلةٍ: خَوف، ضيقُ الوقت وقتٍ، عَدمُ اكتِراثٍ… لكن، بكَونِهما مِن رِجالِ الدِّينِ فلا بُدَّ مِن إضافَةِ سببٍ آخرَ وهوَ الطهارَةُ الطقسيّة. فالرجُلُ الجريحُ كانَ «بينَ حَيٍّ ومَيّت»، ومِنَ المـَعروفِ أنّ رجلُ الدّينِ كانَ مَمنوعًا عليهِ أن يلمِسَ مَيّتًا (أح ٢١: 1-٤) وإلاّ أصبحَ نَجِسًا ومَحرومًا مِن مُمارَسَةِ العِبادةِ قبلَ اللُّجوءِ الى رُتَبِ الطهارةِ الطقسيّة. المـُشكِلةُ هيَ في وَضعِ شرائعِ الطهارَةِ قبلَ الشريعَةِ الأساسية وهيَ الرَّحمَةُ، على حدِّ قَولِ النبي هوشَع «أريدُ رَحمةً لا ذبيحة» (هو ٦: ٦)؛ كما سيُذكِّرُ الربُّ (متى ٩: ١٣) وسيَضيفُ في مَكانٍ آخر إنّ «السبتَ جُعِلَ للإنسانِ، لا الإنسانُ للسبت» (مر ٢: ٢٧).

أمّا السامريُّ الذي يُعتبَرُ عَدوًّا بالنسبَةِ إلى اليَهود، فيَقولُ لنا النَّصُّ إنّ «أحشاءَهُ تحرَّكَت» (10: 33) عندَ رؤيتِهِ الجَريح. هذهِ الرَّحمَةُ النابِعَةُ مِن عُمقِ أحشائِهِ، ليسَت مُجرَّدَ شُعورٍ بالشفقةِ بل هيَ قُوَّةٌ مُحرِّكَةٌ للعَمَل والالتزام جعلَتهُ يَدنو مِنهُ، يُضمِّدُ جِراحَهُ، يَسكُبُ عليها زَيتًا وخَمرًا، يَنقُلُهُ إلى الفُندُق، يَعتني بهِ هُناك، ويُنفِقُ عليهِ مِن مالِهِ حتى يتعافى كُليًّا. إنّ هكذا تَصرُّفٍ إنَّ تصرُّفًا كهذا يَنمُّ عن رَحمةٍ وعَن إلمامٍ في الطبِّ: يُكثِرُ لوقا الطبيبُ منَ الأفعالِ ويُقلِّلُ منَ الوصف (آ. 33). قد يكونُ هذا تلميحًا إلى سرِّ مَسحَةِ المـَرضى التي أرادَها يسوع، وأرسلَ تلاميذَهُ يَفعلونَ ذَلك (مر 6: 13). لكنَّ آباءَ الكنيسَةِ القديسين رأَوا في هذا السامريِّ الصالِحِ يسوعَ نفسَهُ الذي انحنى على البشريَّةِ يُضمِّدُ جِراحَها، التي فُتِحَت بسببِ الخطيئة، وقد أوكَلَها إلى الكنيسةِ (الفُندُق) لتُكمِلَ عمَلَهُ الخلاصيّ.

2. 2- التأوين

مَثَلُ السامريِّ الصالِح هوَ نِداءٌ مِنَ الربِّ لنذهَبَ ونصنَعَ نحنُ أيضًا كذلك (لو ١٠: ٣٧). فالإنسانُ الجريحُ ليسَ فقط مَن اعتدى عليهِ اللصوصُ، بل هُناكَ جِراحٌ نَفسيَّةٌ وروحيّة أكثرُ ألمـًا وخطَرًا على قَريبِنا وهيَ أكثرُ انتشاراً إذ نُصادِفُها في كُلِّ مُجتمَعٍ وكُلِّ عَصرٍ إذا كانَ في قُلوبِنا رَحمةً كافية تَجعلُنا نَنتَبِهُ للقَريبِ ونَشعُرُ بألَمِه. لذا فالكنيسة تَضعُ أمامَنا بالإضافَةِ إلى أعمالِ الرحمَةِ الجَسَديّةِ السبعة، سبعةَ أعمالِ رَحمَةٍ روحية تَجعَلُنا نُجسِّدُ رحمةَ السامريِّ الصالِح معَ القَريبِ الذي تَضَعُهُ العِنايَةُ الإلهيّة في طَريقِنا.
إنّ العَمَلَ الرسولي يجبُ أن يَكونَ مُنفَتِحًا على الجميع: أقرباء وبُعداء، بحسَبِ قولِ مار بولس الرسول: «لا يهوديّ ولا يوناني، لا عَبد ولا حُرّ، لا ذكر ولا أنثى، فالجَميعُ واحِدٌ في المسيحِ يسوع» (غل 3: 28). بالمـَبدأ، كانَ المـَثـَل يَهدفُ أن يُجيبَ على السؤالِ «مَن قريبي؟». لكنَّ النصَّ انتهى دونَ جَوابٍ مُباشَر على هذا السؤال. في الواقِع، قَلَبَ يسوعُ السؤالَ ليُجيبَ على سُؤالٍ آخر: «قريبُ مَن أنا؟». لقد حوَّلَ يسوعُ جَوهريًّا الطريقَةَ اليَهوديّةَ في التفكير: لم أعُد «أنا» محوَر الكَون حيثُ أُصنِّفُ الآخرينَ بالنسبةِ إليَّ، إنما أصبحَ المحورَ الآخرُ، وبخاصةٍ المـُحتاج؛ وأنا أُصنَّفُ بالنسبةِ إليهِ. فالأولويّة تُعطَى للآخر.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: سِرُّ مَسحَةِ المَرضى

تَحتفِلُ الكنيسةُ برُتَبٍ كَثيرة لكنَّها اختارَت سَبعًا مِنها تَعتَبِرُها مُميّزةً دَعَتها أسرارًا، وهيَ أصبحَت منذُ القديمِ مَعروفَةً باسم «أسرارِ الكنيسةِ السبعة». اثنانِ مِنهما نَعتَبرُهُما للشفاء: سِرُّ التوبة، للشفاءِ مِن الخطيئَةِ التي تُميتُ ولإحياءِ العَلاقَةِ معَ الله، وسِرُّ مَسحَةِ المـَرضى، نَطلُبُ فيهِ كُلَّ ما يَحتاجُهُ المـَريضُ، أي شفاءَ الجَسدِ وطبعًا شِفاءَ الروح ومَغفرةَ خطاياه.

درَجَتِ العادَةُ منذُ أيامِ الرُّسُلِ أن يَضعوا أيديَهُم على المرضى كما كانَ يفعلُ المسيح، ويُصلّوا لهُم. وقد احتفظَت الكنيسةُ بهذهِ الرُّتبَةِ وأعطَتها أهميّةً كَبيرة، وهيَ كما قُلنا تُسمِّيها سِرًّا، أي إنّها تُؤكِّدُ في عمَلِها أنّ المسيحَ نفسَهُ هوَ الذي يَعمَلُ، هوَ يضعُ يدَهُ عِندَ وَضعِ يَدِ الكاهِن، وهوَ الذي يَمسَحُهُ بالزيتِ وهوَ الذي يَمنَحُهُ الغُفران. وفي كلِّ هذا تُؤمِنُ الكنيسةُ أنّ المـَريضَ قد دخَلَ بواسِطةِ هذا السِرِّ، كما يَحدُثُ في كُلِّ الأسرارِ، بِشراكةٍ معَ حَدَثِ مَوتِ المسيح وقيامَتِهِ، وأصبحَت قوَّةُ المسيحِ الذي غَلَبَ الموتَ حاضِرةٌ فيه. إنّها إذًا نِعمَةٌ كبيرَةٌ يَنالُها المريضُ عندَ تَقبُّلِهِ سِرَّ مَسحَةِ المـَرضى.

متى يُمنَحُ هذا السِّرُّ وعندَ أيِّ مَرَضٍ؟ في كُلِّ مرَّةٍ يكونُ المرَضُ قَويًّا إلى درجَةٍ يَدخُلُ فيها المريضُ مَرحلَةً جديدةً مِن حياتِهِ، كمَن يُصابُ مَثَلاً بمرضٍ عُضال يُهدِّدُ حياتَهُ، أو بمرَضٍ يُقعِدُهُ ويُفقِدهُ قُدرَتَهُ على الحياةِ العاديَةِ، أو حينَ يَهمُّ الإنسانُ بالخُضوعِ إلى عَمليَةٍ جِراحيَّةٍ صعبة. في هذهِ الشدّةِ تأتي الكنيسةُ بشخصِ الكاهِنِ، ومنَ الأفضَلِ أن يكونَ معَهُ بعضُ المؤمِنين، يزورونَ المـَريضَ، ويُصلّونَ معَهُ ولأجلِهِ، يدهَنُهُ الكاهِنُ بزيتِ المـَسحَةِ المـُقدَّس، ويَمنحُهُ مَغفِرَةَ خطاياه.

عندَ المرَض يَشعرُ الإنسانُ أنّ وضعَهُ الصحّيَّ المـُستَجِد قد أبعدَهُ عن الكنيسة، فتأتي الكنيسةُ بِنَفسِها إليهِ لتقولَ لهُ إنَّ رِباطَ المحبَّةِ في المسيحِ أقوى مِن كُلِّ شرٍّ وإنّهُ لا يُمكِنُ لِمَرضِهِ أن يُبعِدَهُ عن الجسمِ الكَنسيّ الذي يَنتمي إليهِ. بل على العَكسِ إنّهُ في مَرضِهِ لا يزالُ عُضوًا حيًّا في الكنيسةِ وعندَهُ مِنَ النعم ما يُغني الكنيسةَ. ويَستطيعُ المريضُ، مهما كانَت حالَتَهُ، أن يُساهِمَ في عَمَلِ اللهِ لأجلِ خلاصِ العالَم. تُصلِّي الكَنيسةُ معَهُ وتَمسَحُهُ لتُعلِنَ لهُ حُضورَ المسيحِ إلى جانِبهِ في مِحنَتهِ.

4- للقراءةِ والتأمُّل:

أصدَرَ قداسَةُ البابا فرنسيس رسالَةً بمُناسَبةِ اليومِ العالَميّ الـ 48 لوسائِلِ الاتِّصالِ الاجتِماعية، الذي يَقعُ دائِمًا في الأحدِ السابِق لعيدِ العَنصَرة، السادِس للفِصحِ، وهذهِ السنة بتاريخ 1/6/2014. هذهِ الرسالةُ هيَ بِعنوان: «الاتِّصال، في خِدمَةِ ثقافَةٍ حَقيقيّةٍ للّقاء»، صَدَرَت بتاريخ 24/1/2014 عيد القديس فرنسيس دي سال، شَفيعُ الصحافيين. هذا أهمُّ ما جاءَ فيها:

يَستهِلُّ قدَاستُهُ الرسالةَ بِوَصفِ الانقِساماتِ بينَ الناسِ لأسبابٍ اقتِصاديةٍ واجتِماعية وسياسيةٍ ودينية. إنّ واجِبَ وسائلِ الاتّصالِ الاجتماعيّ رَدمُ الهوَّةِ بينَ شرائِحِ المـُجتمَعِ؛ فبإمكانِها العملُ على اللِّقاءِ والحوار، كما أنّ سوءَ استِخدامِها يُمكِنُهُ أن يوصِلَ أصحابَها إلى العُزلَةِ والضلال. وهُنا يتساءَلُ قداسَتهُ: «كيفَ لوسائِلِ الاتّصالِ أن تكونَ في خِدمَةِ ثقافَةٍ حَقيقيةٍ للّقاءِ»؟ ويُجيبُ مُفسِّرًا مثلَ السامريِّ الصالح (لو 10: 25-37) الذي أجادَ «الاتّصالَ»، «مُقترِبًا» مِن قَريبهِ. فعلى المـَسيحيينَ اعتِمادُ إستراتيجيَّةِ الخروجِ «حتَّى أقاصي الأرضِ» (رسل 1: 8) لِلِّقاءِ بالمـَجروحينَ والمـَقهورينَ والذينَ يَبحثونَ عَن خلاصٍ حَقيقيٍّ ودائِم. إنَّ وسائِلَ الاتِّصالِ الاجتِماعيّ هيَ إمكانيَّةٌ لإعادَةِ اكتِشافِ جمالِ إيمانِنا المـَسيحيِّ وعَيشِ الاندِفاعِ الرسوليّ النابِعِ منَ اللِّقاءِ بالمسيح.