القسم السابع / الفصل الثلاثون: على طريق الجلجلة، الصلب والموت

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

سرّ التجسّد وسرّ الفداء هما ميزة الإيمان المسيحيّ، وهذا ما لا يمكن أن تتصوّره بعض الأديان. فإلهنا أصبح إنسانًا، وقد مات على الصليب. لم يُشبَّه به، ولم تكن صورته أو ما يشبهه معلَّقًا بين الأرض والسماء. فمن أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا تجسّد المسيح وفدانا بموته وقيامته. وقد نتساءل، لماذا رضي أن يكابد الآلام بهذه الطريقة البشعة؟ كيف نفهم إصراره على إعطاء الخلاص والغفران لصالبيه وللص اليمين رغم أوجاعه المبرحة؟ ونحن كيف يمكننا أن نعيش، وسط الحزن والهمّ ومشاكل الحياة وأمراضها، اختبارَ القيامة والانتصار؟ هذا ما سنحاول اليوم أن نتشارك فيه من خلال تأمّلنا في المسيح السائر على طريق الجلجلة والمعطي الغفران من على صليبه قُبيل موته.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: على طريق الجلجلة، الصلب والموت (لو 23: 26-49)

26 وبَينما هم ذاهِبونَ بِه، أمسَكوا سِمعان، وهو رَجُلٌ قَيرَوانيٌّ كانَ آتِيًا مِنَ الرِّيف، فجَعَلوا علَيهِ الصَّليبَ لِيَحمِلَه خَلْفَ يَسوع. 27وتَبِعَه جَمعٌ كَثيرٌ مِنَ الشَّعب، ومِن نِساءٍ كُنَّ يَضرِبنَ الصُّدورَ ويَنُحنَ علَيه. 28 فالتَفَتَ يَسوعُ إليهِنَّ فقال: يا بَناتِ أُورَشَليمَ، لا تَبكِينَ عَليَّ، بلِ ابكِينَ على أنفُسِكُنَّ وعلى أولادِكُنَّ. 29 فها هي ذي أيَّامٌ تَأتي يقولُ النَّاسُ فيها: طوبى للعواقرِ والبُطونِ التي لم تَلِدْ والثُّدِيِّ التي لم تُرضِعْ. 30 وعِندَئِذٍ يأخُذُ النَّاسُ يَقولونَ لِلجِبال: أُسقُطي علَينا ولِلتِّلالِ: غَطِّينا 31 فإذا كانَ يُفعَلُ ذلك بِالشَّجَرةِ الخَضْراء، فأيًّا يَكونُ مَصيرُ الشَّجَرَةِ اليابِسة؟ 32 وسيقَ أيضًا آخَرانِ مُجرِمانِ لِيُقتَلا معَه.
33 ولـمَّا وَصَلوا إلى المَكانِ المَعروفِ بالجُمجُمة، صَلَبوهُ فيهِ والمُجرِمَيْن، أحَدُهما عنِ اليَمينِ والآخَرُ عَنِ الشِّمال. 34 فقالَ يسوع: يا أبَتِ اغفِرْ لَهم، لأنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون. ثُمَّ اقتَسموا ثِيابَه مُقتَرِعينَ علَيها.

35 ووقَفَ الشَّعْبُ هُناكَ يَنظُر، والرُّؤَساءُ يَهزَأُونَ فيقولون: خَلَّصَ غَيرَه فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَه، إن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختار! 36 وسَخِرَ مِنه الجُنودُ أيضًا، فدَنَوا وقرَّبوا إلَيه خَلاًّ وقالوا: 37 إن كُنتَ مَلِكَ اليَهود فخَلِّصْ نَفْسَكَ! 38 وكانَ أيضًا فَوقَه كِتابَةٌ خُطَّ فيها: هذا مَلِكُ اليَهود.

39 وأخَذَ أحَدُ المُجرِمَينِ المُعَلَّقَينِ على الصَّليبِ يَشتُمُه فيَقول: ألستَ المَسيح؟ فخَلِّصْ نَفْسَكَ وخَلِّصْنا! 40 فانتَهَرَه الآخَرُ قال: أوَما تَخافُ الله وأنتَ تُعاني العِقابَ نَفْسَه! 41 أمَّا نَحنُ فعِقابُنا عَدْل، لأنَّنا نَلْقى ما تَستوجِبُه أعمْالُنا. أمَّا هو فلَم يَعمَلْ سُوءًا. 42 ثُمَّ قال: اذكُرْني يا يسوع إذا ما جئتَ في مَلَكوتِكَ. 43 فقالَ له: الحَقَّ أقولُ لَكَ: سَتكونُ اليَومَ مَعي في الفِردَوس.

44 وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الظُّهر، فخَيَّمَ الظَّلامُ على الأرضِ كُلِّها حتَّى الثَّالِثَة، 45 لأنَّ الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت، وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط. 46 فصاحَ يسوعُ بِأعلى صَوتِه قال: يا أبَتِ، في يَدَيكَ أجعَلُ رُوحي! قالَ هذا ولَفَظَ الرُّوح. 47 فَلَمَّا رأى قائِدُ المائَةِ ما حَدَثَ، مَجَّدَ اللهَ وقال: حقًّا هذا الرَّجُلُ كانَ بارًّا! 48 وكذلِكَ الجَماهيرُ التي احتَشَدَت، لِتَرى ذلِكَ المَشهدَ فعايَنَت ما حَدَث، رَجَعَت جَميعًا وهي تَقرَعُ الصُّدور. 49 وَوَقَفَ عن بُعدٍ جميعُ أصدِقائِه والنِّسوَةُ اللَّواتي تَبِعنَهُ مِنَ الجَليل، وكانوا يَنظُرونَ إلى تِلكَ الأُمور.

2. 1- الشرح

على درب الصليب، يعرض الإنجيليّ لوقا تسخير سمعان القيروانيّ لحمل الصليب، نواح نساء أورشليم وجواب يسوع لهنّ، وجود مجرمَين مرافقَين أحدهما تاب وحصل على الفردوس، وموت يسوع مودِعًا روحه بين يدَيّ الآب.

إنّ حمْل الصليب والسير وراء يسوع هو موقف التلميذ الحقيقيّ ليسوع (لو 9: 23). سمعان القيروانيّ هو صورة التلميذ الذي يجسّد فعليًا إتّباع المسيح.
يصف الإنجيليّ لوقا نواح النساء من خلال أشكال الحزن المتّبعة في أورشليم: يضربن الصدور، ينحن ويبكين. ويصف يسوع مصيرهنّ ومصير أولادهنّ بأنّه أكثر خطورةً من مصيره هو، لذلك يدعوهنّ إلى البكاء على أنفسهنّ. توصف خطورة أيام المستقبل من خلال ردّات الفعل، التي تتمنّى الموت وعدم الوجود، على العيش في الرعب والذلّ وهوان الخطيئة. لا ريب في أنّ يسوع يعتبر نفسه الشجرة الخضراء التي تُكسَر الآن وتُقطَع. إنّه شجرة خضراء تعطي الحياة بدل شجرة معرفة الخير والشر التي أعطت الموت (تك 2: 17). يُفهم كلام يسوع على أنّه دعوة إلى النساء للتوبة قبل فوات الأوان.

إنّ صلاة يسوع طالبًا الغفران لصالبيه توحي أنّه الوسيط الوحيد بين الله والناس (1طيم 2: 5). يُعتَبر غفرانه خلاصة الإنجيل: فقد علّم يسوع محبّة الاعداء وهو يطبّقها الآن كمثلٍ أعلى لكل تلميذٍ مسيحيّ. وهكذا تصرّف اسطفانوس عندما رجموه (رسل 7: 60). بعد صلب يسوع، يظهر موضوع الخلاص بشكل واضح، وذلك من خلال الطلب إلى يسوع بأن يخلّص نفسه. هكذا استهزأ به الرؤساء، والجنود وأحد المجرمَين. كلّ مداخلات هؤلاء الأعداء كانت تتطرّق إلى هويّته: مسيح الله المختار ملك اليهود، إلخ. أرادوا كلّهم منه أن يبرهن عن هذه الهويّة بعجيبةٍ سحريّة تخلّصه من الموت. يطلبون من عاجز ومصلوب أن يعطي الخلاص والحياة؛ لقد غاب عنهم أنّه، بالفعل، بواسطة آلامه وموته، يطأ الموت بالموت ويعطي الحياة للمائتين.

يقدّم لوقا المجرمَين اللذين صُلبا مع يسوع كرفيقَين له على درب الصليب. يصفهما بوصمةٍ أدبيّة إذ عوقبا جزاء أعمالهما (لو 23: 41). إنّ صلبَ يسوع بين مجرمَين يذكّر بقول أشعيا: «أحصي بين العُصاة» (أش 53: 12). يشدّد لوقا على الخلاص والغفران وعلى «اليوم» كيوم ٍ للخلاص والغفران. فقد اعترف اللص المخلَّص بمخافة الله، بمصير الموت الذي هو عاقبة عادلة له، وببراءة يسوع المصلوب ظلمًا. وبمجرّد لفظ اسمه قائلاً: «اذكرني يا يسوع» دون أن يزيد لقبًا هذا دليل على قرْبٍ ومَوْنَةٍ وثقةٍ بكل قدرة المسيح الخلاصيّة. لذلك أعطاه يسوع ملء الحياة في الفردوس بدل الخلاص من ساعة آلامٍ وموت.

أمّا موت يسوع فترافق مع مظاهر رؤيويّة كونيّة، وكأنّ الأرض والسماء تنتحب لموت الفادي. كلمة يسوع الأخيرة حسب إنجيل لوقا كانت «يا أبتِ بين يديك أستودع روحي» (آ. 46)؛ وأيضًا، إنّ كلمة يسوع الأولى التي تلفّظ بها بعمر 12 سنة حسب لوقا تمحورت حول الآب «ألا تعلمان أنّه يجب أن يكون في ما هو لأبي» (لو 2: 49)؛ إن كانت حياة يسوع دائمًا تحت نظر الآب وطاعةً لإرادته؛ فيداه تُظهران الرحمة أمّا أيدي الناس التي أُسلم إليها يسوع فتُظهر القساوة (لو 9: 44). وبعد موت يسوع اعترف قائد المئة الوثنيّ بإيمانه ببرارة يسوع، وأصبح بذلك مثالاً لجميع المتردّدين وغير المؤمنين.

2. 2- التأوين

لم يكن يسوع وحده على درب الصليب، فهو محاط برجالٍ خيّرين كسمعان القيروانيّ، وبنساء يبكين عليه ويشعرن بالشفقة لما أصابه، وأيضًا بمجرمَين سيلقيان معه المصير نفسه. هذه المرافقة على طريق الجلجلة جعلَت من يسوع محاورًا، منفتحًا على مَن حوله، وداعيًا إلى التوبة، حتى لو بجسمٍ منهوك القوى ومبَرّح بالآلام. وهنا نتساءل: هل نسير نحن وراء يسوع على درب الحياة، مقتبلين بالصبر والفرح الصلبان التي تعترض طريقنا؟ هل نحن كسمعان القيروانيّ نضمّد جراح البشريّة؟

إنّ التناقض بين المسيح العاجز جسديًا والقادر إلهيًا هي المسألة الأساسية التي يطرحها وصف «يسوع على الصليب». كيف يمكن لـمَن هو معلّق على خشبة أن يكون المسيح المنتظر الذي يخلّص شعبه ويوفّر له ملء الحياة؟ هذه المسألة ليست فقط من الماضي والتاريخ بل آنية، وتتماشى مع كل العصور.

يظهر لنا إنجيل اليوم يسوع في رحمة لا مثيل لها وفي خلاصٍ أكيد ونهائيّ للمؤمن الذي يخاف الله. مِن على صليبه، لا يزال المسيح قادرًا أن يكون صلة الوصل بين الله والإنسان ومثال التلميذ الحقيقي. لذلك نحن مدعوون للتواضع، للتوبة وللاعتراف بالخطيئة، علّنا نصل يومًا إلى السعادة المرجوّة في الفردوس.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: سرّ الفداء.. تألّم ومات وقبر

تحمل هذه العبارة كلّ الفرح وكلّ الحزن في آن. هي مفخرة الإيمان وهي صعوبته. ترتبط هذه الكلمات الثلاث «تألّم ومات وقبر» بالسؤال حول محبّة الله. هل يمكن لله أن يحبّنا إلى هذا الحدّ؟ الجواب يعطيه إنجيل المسيح: نعم! فالله لم يضنّ بابنه، يقول القديس بولس، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا. لماذا مات المسيح؟

السبب الأول تاريخي. لقد أتى يسوع يعمل ويعلّم مشيئة أبيه، وفق رحمته الواسعة. وكان يريد تصويب بعض الأمور في الممارسة الدينية للشعب اليهودي. فأشار إلى أن الهيكل الحقيقي ليس الحجر الذي كان مفخرة لليهود، بل إنّه هو سيكون الهيكل الجديد، وأن الله يريد العبادة بالروح والحقّ، لا بتقديم الذبائح. وعلّم أيضًا أن الشريعة ليست لقهر الإنسان، وأن بعضهم يعيشون وفق الحرف لا بحسب روح الله الذي أعطاها. وبهذه الأقوال كان يسوع يتصرّف بكونه أعظم من الهيكل ومن الشريعة وحتى من كلّ الأنبياء الذين كانوا قبلاً، فهو ابن الله الذي يعرف مشيئة الآب. كلّ هذا دفع رؤساء الدين إلى أن يقتلوه لأنّه أصبح بالنسبة إليهم خطرًا يهدّدهم. حثوا الرومان على قتل يسوع وهذا ما حصل. لكن هذه القراءة التاريخية لا تعطي إلا ضوءًا سطحيًّا لهذا الحدث العظيم.

السبب الثاني نجده في خطايانا. فنحن خاطئون وبُعدُنا عن الله يقتلنا. هل يُمكن لله أن يبقى متفرّجًا من سماواته أم إنّ محبّته الفائضة ورحمته اللامحدودة ستدفعه إلى غير ذلك؟ تجسّد ابن الله لكي يخلّصنا، أصبح إنسانًا لأجلنا، تخلّى عن عزّة لاهوته وعن مجد السماوات. ترك عدم الفساد لكي يلبس إنساننا المائت، وبالتالي أصبح خاضعًا لمحدودية الناس ولموتهم. السبب الحقيقي إذن في موت يسوع يعود إلى خطايانا. لهذا تعلّمنا الكنيسة أننا في كلّ مرّة نُخطئ نشارك في خطيئة العالم، أي مجموع خطايا الناس، ونجعلها تزيد. وهذه الخطيئة قد بلغت ذروتها حين قتل الناس الربّ يسوع المسيح. ونحن في كلّ مرّة نظلم ونحكم، نصبح متواطئين مع الشرّ نفسه الذي صلب يسوع.

في الخلاصة نجد أن السبب الأساسي لموت يسوع هو إذن محبّته لنا. فلولا هذه المحبّة لما جعل نفسه عرضة للقتل والموت. لذلك نحن نقف كلّ سنة أمام هذا الحدث، يوم الجمعة قبل الفصح، ونسمّيها الجمعة العظيمة، أو جمعة المحبّة بل الشغف في المحبّة والآلام. نقف مندهشين مذهولين أمام محبّة الله لنا. وفي هذا النهار نفهم أن كلّ خطيئة ما عادت تؤدّي إلى الموت، لأن يسوع افتدانا بموته. ونعي أيضًا أن كلّ ألم يصيب الناس، يصبح اشتراكاً بآلام المسيح إن عشناه بالمحبّة كما عاشه هو. نعم المحبّة أعظم من كلّ شيء، المحبّة تعطي المعنى حتى حين تصبح الأمور فارغة بنظر الناس، المحبّة تنتصر حتى على الموت. نعم لأن الله محبّة.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قراءةٌ من القدّيس كيرلُّس الأورَشليميّ (+387)

الصليبُ والقيامة

تألّم يسوع لأجلِ جميع البشر. فالصليبُ لم يكن في الظاهر، وإلاّ لكان فِداؤنا وهميًّا؛ والموت لم يكن خياليًّا، وإلاّ لكان خلاصُنا صُورِيًّا. فلو كان الموتُ شكليًّا، لكان على حقّ أولئك الذين قالوا «تذكّرْنا أنّ ذاك الـمـُضلّل قال إذ كان حيًّا: سأقوم بعد ثلاثة أيام». لقد كان موتُه إذن حقيقيًّا؛ لقد صُلِب، وأنا بالحريّ أفتخرُ أن أقول ذلك، حتّى وإن أنكرتُ هذا الحدث الآن، فإنّي أجدُ ما يُقنعني، على هذه الجُلجلة حيث نحن الآن مجتمعون! وتُقنِعُني أيضًا خشبةُ الصليب التي وُزّعَت قِطَعًا صغيرةً في جميع أنحاء العالم. إنّي أعترف بالصليب لأنّ أؤمنُ بالقيامة. لأنّه لَو لم يقم المصلوب، لـَما كنتُ اعترفْتُ بالصليب، بل كنتُ أخفَيتُه مع سيّدي. ولكن، بما أنّ القيامة أتت بعد الصليب، فأنا لا أخجلُ من الإجهارِ بذلك.