القسم السابع / الفصل الثالث والثلاثون: ترائي يسوع على الجبل

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

بعد قيامته، ظهر يسوع على الجبل لتلاميذه وأوصاهم بإعلان البشارة في العالم كلّه. فمَن يُصغي إلى كلامهم ويؤمن به يكون تلميذًا معدًّا للملكوت فيعتمد. فالعماد إذن يأتي نتيجة الإصغاء إلى التعليم والتوبة في الحياة. وعد يسوع بالبقاء مع الكنيسة حتّى منتهى الدهر، فهو عمّانوئيل، إلهنا معنا، ضمانة الحياة والتجدّد في الكنيسة. كيف وصلتك البشارة، وممّن؟ هل أنت مستعدّ لأن تكون تلميذًا دائمًا للمكوت؟ وما هي مفاعيل العماد على حياتك؟ هذا ما سنتباحثه في لقائنا اليوم.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: الترائي على الجبل (متّى 28: 16-20)

16 وأمَّا التَّلاميذُ الأحَدَ عَشَر، فذَهبوا إلى الجَليل، إلى الجَبَلِ الذي أمَرَهم يسوعُ أن يَذهَبوا إليه. 17 فلَمَّا رَأوهُ سَجَدوا له، ولكِنَّ بَعضَهُمُ ارْتابوا.

18 فَدَنا يسوعُ وكَلَّمَهم قال: إنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأرض. 19 فذاهبين، تَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، مُعَمِّدين إيّاهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحِ القُدُس، 20 ومُعَلِّمين إيّاهم أن يَحفَظوا كُلَّ ما أوصَيتُكُم به؛ وهاءنذا معَكم طَوالَ الأيَّامِ إلى نِهايةِ العالَم.

2. 1- الشرح

يشكّل هذا النص الحدث النهائي في إنجيل متّى وبذلك يقول فيه كلّ ما بقي عنده من أمور أساسيّة للمؤمن. ويمكننا أن نشبّه ذلك بالذي يفارق الحياة على فراش الموت، فيعطي كلّ ما في قلبه من وصايا وحب لأولاده قبل أن يغادر هذه الفانية. إنّه يعرض كلمات يسوع الأخيرة ووصيّة القائم من الأموات. بعد حدث القيامة وتضليل رؤساء اليهود (متّى 28: 1-15)، يأتي هذا الترائي كخاتمة للإنجيل وبداية لإنجيل حياة جديد. فهو إذن يشكّل، من جهّة أولى، نقطة الوصول أو القمّة لكلّ الروايات السرديّة السابقة لإنجيل متى، ومن جهّة ثانية، يشكّل نقطة البداية لرواية أخرى. يُنهي هذا النص قصّة يسوع الأرضي ويبدأ قصّة رسالة التلاميذ.

في القسم الأول من النص (آ. 16-17)، تتوقف «الكاميرا» عند الأحد عشر، في الجليل، على الجبل، وهي لا تلتقط كلمة واحدة. الجليل هو مسرح عمل يسوع التبشيريّ في إسرائيل، وقد أصبح أرض الانفتاح على كل الشعوب (متّى 4: 15) اتفاقًا مع الرؤية النبوية (اش 49: 6). والجبل هو مكان الوحي الكامل للرب ابن الله (17: 1). أمّا الأحد عشر، فلم يبقوا اثني عشر كما في (10: 1)، إنهم ملقَّبون في إنجيل متى بـ»قليلي الإيمان» من خلال موقفهم المتناقض بين السجود والشك.

أما القسم الثاني، (آ. 18-20) فيسوع هو محور الحدث، وكلماته تتبوَّأ إطارًا ليتورجيًا والجُمَل طابعًا احتفاليًا. إنّ إعلان البانتوكراتور (آ. 18ب)، سيّدُ العالم الكليّ القدرة، هو صدىً لِما يُقرأ في سفر دانيال 7: 13-14 الذي تنبأ عن ابن الانسان الآتي بالسلطان والمجد لتتعبّد له كلّ الشعوب. إنّه السلطان المطلق والكامل ليسوع، الذي هو أساس وعلّة وجود رسالة الكنسية. أمّا الإرسال الرسولي (آ. 19-20أ) فيبيّن بوضوح القيمة النموذجيّة للتلمذة: في الأصل اليوناني إنّ الفعل «تلمِذوا» هو الفعل الأساسي المصرّف في الجملة، وبقيّة الأفعال هي صفات «Participe» متعلّقة به. فالتلمذة هي العمل الأساسيّ والنهائيّ لتبشير الشعوب (أش 42: 6)؛ وليس العماد إلا صفة متعلّقة بالتلمذة الحقيقية. إنّ الوعد بالبقاء الدائم (آ. 20ب) يعطي المؤمن طمأنةً في مسيرته إذ إنّ العمّانوئيل (متّى 1: 23) يَعِد ويلتزمُ البقاء مع كلّ تلميذ، مع كلّ مؤمن.

2. 2- التأوين

يلقي هذا المشهد الضوء على لاهوت المسيح وعلاقته بالثالوث من جهة وعلاقته بالكنيسة من جهة أخرى. فالمسيح هو مفتاح معرفة العالم الإلهيّ إذ كشف لنا عن أبيه وعن روحه القدوس؛ وأيضًا إنّه مبدأ وأساس الكنيسة. فالنص يصف حدود عمل الكنيسة: إنّها لـ»جميع الأمم»، أمّا دورها فهو التلمذة والتبشير وتعليم كلام الله بالدرجة الأولى. وهكذا نفهم أنّ لاهوت الكنيسة هو متّصلٌ بلاهوت الإرسال خاصة بالمهام الكهنوتية الثلاث: التعليم والتقديس والتدبير. فالتعليم يفطّر القلب الذي بتوبته وعماده يتقدّس ويصبح بدوره شاهدًا مبشِرًا بمحبّة الله.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: سرّ العماد

إنّه مفتاح الحياة المسيحية. فبعد أن يؤمن الإنسان يطلب منه الربّ أن يُعلن إيمانه، فيعلن له الله في الوقت عينه أنه يتبنّاه. لهذا السرّ مدلولات كثيرة، هذه أبرزها:

هو إعلان مزدوج: طالب العماد يتقدّم مع عرّابه، وهو أتى ليعترف أمام الكنيسة بأنه يؤمن بمحبّة الله له. هذا الإعلان هو جواب المؤمن عن دعوة الله له، من خلال اختبارات حياته وبنور الكنيسة. وفي المقابل يثبّت الله قبوله هذا الإيمان من خلال إعلان تبنّيه، مستعيدًا ما قاله في نهر الأردن عند اعتماد يسوع: «هذا هو ابني الحبيب الذي به ارتضيت». لهذا تُختتم المعمودية بصلاة الأبانا، يتلوها المؤمن المسيحي الجديد، وتتلوها معه كلّ الجماعة التي قبل كلُّ أفرادها، يومًا ما، هذا التبنّي.
يصبح المعمّد عضوًا في الكنيسة. فالإيمان شخصيّ ولكنّه ليس فرديًّا. يرتبط إيماني بحياتي أنا واختباراتي أنا، وهو خيار أنا آخذه، هذا هو البعد الشخصي. لكن كلّ هذا أحياه بفضل الكنيسة، ومعها. هذا هو البعد الجماعي. المعمودية هي إذن دخول في هذه الجماعة، لذلك نحتفل بها عادة عند مدخل الكنيسة وفي نهايتها ندخل إلى حضن الكنيسة بتطواف وتسابيح.

هيَ أيضًا عَلامَةٌ للتَّوبة وَلِمَغفِرةِ الخطايا. فالإنسانُ يُولَدُ في عالَمٍ تَتحَكَمُ فيهِ الأهواءُ والإغراءات والصُّعوبات. هذا ما نُسمّيهِ الخطيئةَ الأصلية أو خَطيئة العالَم. المـَعمودية هيَ النِّعمةُ التي نحتاجُها لكي نُحسِنَ اختيارَ إرادة الله. لذلكَ هيَ مِن قِبَلنا اِعترافٌ بأننا نُريدُ أن نَتوبَ عن كُلِّ الخطايا التي اقترفناها، وإننا نَطلُبُ نِعمةَ الربِّ لِنحفَظَ مُستقبَلاً أمانَتَنا في العَلاقَة معَ الربِّ. وهيَ مِن قِبَلِ الربّ غُفرانٌ حَقيقيّ على كُلَّ الخطايا السابِقة، وتأكيدٌ بأنَّ نِعمَتهُ سَتُرافِقُنا كُلَّ العُمر. وأعظمُ نِعمةٍ نَحمِلُها بهذا السرِّ هيَ عَطيةُ الروحُ القُدُس عَينُهُ. «أما تَعلَمونَ أنّ أجسادَكُم هيَ هَيكلُ الروحِ القُدُس؟» هوَ المـُعزّي وهوَ المـُقوّي وهوَ المـُنيرُ والهادي.

اِنطِلاقًا مِن كُلِّ ما وَرَدَ يُردِّد بولس أنَّ المـَعمودية هيَ مَوتٌ معَ المسيح، لكي يَموتَ إنسانُنا القديم تاركِين معَهُ كُلَّ ما يُعيقُ نُموَّنا وفقَ مَشيئةِ اللهِ. وهيَ وِلادةٌ جديدة لحياةٍ جديدة في المسيح، إنسانٌ جديد قد لَبِسَ المسيح، والتَزمَ السَّيرَ معَهُ شاهِدًا لمـَحبّتِه في قلبِ العالَم.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قِراءةٌ من تِوُدُروس الـمُبْسُوِسطي (+428)

التَّبنّي بالمَعموديّة

متى قالَ الكاهِنُ: «باِسمِ الآب»، تَذكَّرْ قولَ الآب: هذا هوَ اِبني الحبيب الذي بهِ سُررتُ؛ واِفهم بهِ ذَخيرةَ البَنين الـمُعطاة لكَ. ومتى قالَ: «والاِبن»، فافهَمْ بهِ مَن كانَ قريبًا منكَ لأنّهُ اعتَمَد؛ واِعترِفْ أنّهُ استَحقَّ لكَ ذَخيرةَ البَنين. ومَتى قالَ: «الرُّوحُ القُدُس»، فاذكُرْ مَن نَزلَ في شِبهِ حَمامةٍ، واستَقرَّ عليه، وانتظِرْ أنتَ أيضًا إثباتَ ذَخيرة البَنين «لأنّ الذينَ يُقتادون بروحِ اللهِ هُم أبناءُ الله» (روم 8: 14). إنَّ ذَخيرةَ البَنين الحَقيقيّة هيَ هيَ، يُعطيها الرُّوحُ القُدُس. ولا تكونُ حقيقةً إن لم يَكُنِ الرُّوحُ حاضِرًا، يَعملُ ويَحُثُّ على مَوهِبة الإيمان.

إذن، بِدعوةِ الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس، تَتَّشِحُ بِنعمَة التبـنّي، وتَخرُجُ مِن مِياهِ المـَعموديّة، وقد نِلتَ وِلادةً جَديدة، وأتمَمتَ بِعمادِك في المياهِ شَريعةَ الدفنِ وقَبِلتَ بِخروجِكَ مِنها علامةَ القِيامة، ووُلِدتَ وتحوَّلتَ إلى شخصٍ آخر. لم تَعُد مُذّاكَ خاصةَ آدمَ الـمُتبدِّل والرازحِ الشَّقيّ تحتَ الخَطيئة، بل خاصّةَ المسيح الذي أصبحَ بالقيامةِ غَيرَ خاضِعٍ للخطيئة، وهوَ مُنذُ البَدء لم يَقترِف خطيئةً. لأنَّ الخطيئةَ كانَت تُهدِّدُه في البَدء، لكنَّهُ بالقيامَةِ حَصَلَ على طبيعةٍ غيرَ مُتَبدِّلة. فأثبتَ لنا القيامةَ من بينِ الأموات والشَرِكة في عَدَمِ الفَسَاد.

(العِظة الثالِثة عَنِ العِماد، 25)