القسم السادس / الفصل العشرون: الزواج المسيحي

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

لقد أسّس الخالق الميثاق الزوجيّ الذي به يُنشئ الرجل والمرأة بينهما شركة حياة وحبّ حميمة، ووضعَ له قوانين خاصّة. رفعه المسيح بين المعمّدين إلى كرامة السرّ. فالوحدة والديمومة والانفتاح على الخصوبة هي مقوّمات الزواج المسيحيّ الأساسيّة. تعدّد الزوجات ينافي وحدته؛ والطلاق يفرّق ما جمعه الله؛ ورفض الخصوبة يصرف الحياة الزوجيّة عن أسمى ثمر مُعطى لها وهو الولد.

ما هي قناعاتك في الزواج؟ من المعلوم أنّ القوانين المـُدُنيّة لها أسلوبها في التعاطي مع مؤسسة الزواج هذه، هل تعتبر أنّ المسيحيين يعقّدون الأمور بدل أن يسهّلوها؟ علامَ يرتكز القانون المسيحيّ في التشريع حول سرّ الزواج؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في شرحنا للنص الإنجيليّ وللّاهوت الأسراريّ في موضوع الزواج.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: الزواج المسيحيّ (متّى 19: 1-12)

1 ولَمَّا أتمَّ يسوعُ هذا الكَلام، تَرَكَ الجَليلَ وَجاءَ بِلادَ اليَهوديَّةِ عِندَ عِبْرِ الأُردُنّ. 2 فَتبِعَتهُ جُموعٌ كَثيرة، فشفاهم هُناك. 3 فَدنا إليهِ بعضُ الفِرِّيسيِّين وقالواله لِيُحرِجوه: أيَحِلُّ لأحَدٍ أن يُطَلِّقَ امرَأتَه لأيَّةِ عِلَّةٍ كانت؟ 4 فأجاب: أما قَرأتُم أنَّ الخالِقَ مُنذُ البَدءِ جَعلَهما ذَكَرًا وَأُنثى 5 وقال: لِذَلِكَ يَترُكُ الرَّجُلُ أباهُ وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأتَه ويصيرُ الاثْنانِ جسَدًا واحدًا. 6 فلا يكونانِ اثنَينِ بعدَ ذلكَ، بل جَسَدٌ واحد. فما جمَعَه الله فلا يُفرِّقنَّه الإنسان. 7 فقالوا له: فلِماذا أمَرَ موسى أن تُعْطى كِتابَ طَلاقٍ وتُسَرَّح؟ 8 قالَ لهم: مِن أجْلِ قساوَةِ قُلوبِكم رَخَّصَ لَكم موسى في طَلاقِ نِسائكم، ولَم يَكُنِ الأمرُ مُنذُ البَدءِ هكذا. 9 أمَّا أنا فأقولُ لكم: مَن طَلَّقَ امرَأتَه، إلأ لِفَحْشاء، وتَزوَّجَ غيرَها، فقَد زَنى. 10 فقالَ له التَّلاميذ: إذا كانَت حالَةُ الرَّجُلِ مَعَ المَرأةِ هكذا، فلا خَيرَ في الزَّواج. 11 فقالَ لهم: هذا الكلامُ لا يَفهَمُه النَّاسُ كُلُّهم، بلِ الذينَ أُنعِمَ علَيهِم بذلك. 12 فهُناكَ خِصْيانٌ وُلِدوا مِن بُطونِ أُمَّهاتِهم على هذِه الحال، وهُناكَ خِصْيانٌ خَصاهُمُ النَّاس، وهُناك خِصْيانٌ خَصَوا أنفُسَهم مِن أجلِ مَلكوتِ السَّمَوات. فَمَنِ استَطاعَ أن يَفهَمَ فَليَفهَمْ!

2. 1- الشرح

يطرح الفرّيسيّون على يسوع سؤالاً اختلف حوله اليهود بين متشدّدين ومتراخين. لقد أجازت الشريعة الطلاق في حالات خاصة وليس «لأيّ سبب» (تث 24: 1-4). فالسؤال واضح: أيحلّ الطلاق لايّ سبب كان؟ وإذا بيسوع يتخطّى انتماءاتهم الفئويّة مشدّدًا على الديمومة في الزواج ومانعًا الطلاق. لماذا؟
كَوْن يسوع ابن الله يعرف ما في فكر الله وما هي إرادته الأساسيّة حول هذا الموضوع. فعاد في جوابه (متّى 19: 4-6) إلى ما قبل موسى، عاد إلى بداية الخلق. فمنذ البداية أراد الله أن يكون الإنسانُ ذا جنسَين ذكرًا وأنثى. هذه الثنائيّة المختلفة أساسيّة في الزواج، فلا مجال لزواجٍ من جنس واحد. وعندما يتّحد الرجل بالمرأة ويصيران جسدًا واحدًا، مع كلّ ما يتضمّن ذلك من حقيقة في الرضى الزوجيّ، لا يعد بمقدور السلطة البشريّة أن تفسخ هكذا زواج لأنّ الله باركه وجمعه. فمفادُ كلام يسوع أنّ الطلاق لم يوجد في الخطّة الإلهيّة منذ البدء.

وهنا أردف الفرّيسيّون (آ. 7-8) يسألونه: لماذا أجاز موسى الطلاق؟ وبطريقة أخرى، هل كان موسى إذن ضد إرادة الله في تشريعه؟ فأوضح المسيح أنّ هذا التدبير هو بسبب قساوة قلوبهم، أيّ أنّ الشريعة أجازت الطلاق لتحلّ أزمة فرضَها شرُّ الإنسان. بتعبير آخر، إنّ شريعة الطلاق هي تدبيرٌ يجب ألاّ يكون أصلاً، ولم يكن في فكر الله منذ البدء؛ فالطلاق يمكن أن يُفهم كسماحٍ استثنائيّ وليس كقانونٍ جائز بطريقة دائمة. إنّ جماعة المـَلكوت المنتمية إلى المسيح، عليها أن تعيش إرادة الله الأساسيّة؛ وفَضُّ المشاكل بعد الزواج يتمّ من خلال المصالحة والغفران (متّى 18).

أمّا حالة الاستثناء «في الأصل اليوناني porneia» (آ. 9) التي يتحدّث عنها يسوع فتُفهم من خلال الكلمة نفسها الموجودة ضمن جماعة قورنتس (1قور 5: 1) وتعني زواج بين أفراد العائلة المتقاربين جدًا، غير الجائز أصلاً، وبطريقة أشمل تعني هذه الكلمة كلّ العيوب التي يستند القانون إليها والموجودة بطريقة مستترة قبل الزواج، ممّا يؤدّي من خلالها إعلان «بطلان زواج من أساسه»، فلا طلاق في تعابيرنا!

مع المسيح، ليس الزواج الحالة الاجتماعيّة الوحيدة التي يمكن للمؤمن أن يكون فيها، بل هناك التبتّـل الاختياريّ من أجل المـَلكوت (آ. 12). فالمكرّسون لخدمة الله والعالم هم علامةٌ للخصب في الحياة دون أن يلدوا جسديًّا؛ لذلك ندعوهم آباء وأمّهات وأخوات روحيّين، فيكتسبون صفة الأبوّة والأخوّة الروحيّة بسبب شموليّة رسالتهم.

2. 2- التأوين

يكرّس يسوع في إنجيل اليوم المبدأ الإلهي في الزواج وهو: زواجٌ واحدٌ للحياة. لا تعدّد نساء ولا طلاق، إنّما حياةٌ زوجيّة في الأمانة والوحدة مدى العمر. أمّا ما نلاحظه في مجتمعنا اليوم هو أنّ الانفصالات كثيرة بسبب الأنانيّة، والشهوة، وطلب المتعة، وعدم التضحية والغفران. لكن، مهما كثرت لا يمكنها أن تُصبح تدبيرًا كنسيًا من جديد كما فعل موسى. إن الجماعة الكنسيّة عاشت على مرّ الفَي سنة التضامن والوحدة، وكان من بين أبنائها الشهداء والعائلات القدّيسة، وأبرزها القدّيسَين لويس وزيلي مارتان اللذين قدّسهما في روما البابا فرنسيس في 18 تشرين الأول 2015. فالصعوبة موجودة، لكنّ إمكانيّة تخطّي الصعوبات معطاة من خلال نعمة سرّ الزواج الذي به يشترك الله في توحيد قلبَي الزوجَين في شراكة المحبّة مدى العمر.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: سرّ الزواج

منذ أن خلق الله الإنسان، ذكراً وأنثى خلقهما، وضع في قلبيهما رغبة في ألا يكتفي الإنسان بالعيش وحده، بل أن يطلب شريكًا له في حياته. ومنذ ذلك الحين قال الله: «لأجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته، فيصيران جسدًا واحدًا». وقد ذكّر الربّ يسوع بهذا الكلام مضيفًا: «فليسا إذًا اثنين بل جسد واحد، وما جمعه الله لا يفرّقه الإنسان». قال هذا الكلام في ردّه على الفريسيين الذين سألوه عن الطلاق وأسبابه. بالنسبة إلى يسوع المسيح الزواج واحد ونهائي، أي أنّ الإنسان يتزوّج مرّة واحدة، وطالما أن شريكه في الزواج على قيد الحياة لا يمكنه أن يتزوّج أحدًا آخر. هذا ما نسمّيه «وحدانية الزواج وديمومته».

وللزواج هدف آخر، لا يقلّ أهميّة وهو إنجاب البنين. على الزوجين أن يكونا منفتحين على عطية الحياة. وهذا أيضًا واضح في كلام الله منذ الخلق، إذ أوصاهما: «انميا واكثرا واملاءا الأرض».

كلّ هذا تراه الكنيسة في الزواج الطبيعي، ولكنّها لا تقف عند هذا الحدّ، فنعمة الربّ يسوع تفوق كلّ تصوّر. لقد رفع الربّ الزواج إلى درجة السرّ. أي إنّه مثل الإفخارستيا والمعمودية وسواهما، يحمل نعمة الربّ غير المنظورة ويسكبها في حياة الزوجين والعائلة. وهو بطريقة خاصة يجعل سرّ تقدمة المسيح على الصليب وقيامته حاضرًا في العائلة. يمكن العودة إلى رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس إذ يقول في معرض كلامه عن صليب المسيح والحياة الزوجية: «إن هذا السرّ لعظيم وإني أقول هذا بالنظر إلى المسيح والكنيسة … أيها الرجال أحبّوا نساءكم كما المسيح أيضاً أحبّ كنيسته … من أحبّ امرأته أحبّ جسده…»

وهناك بعدٌ آخر من المفيد الإضاءة عليه، وهو اعتبار الزواج سرّ شركة ووحدة. تؤمن الكنيسة أن الله دعا البشرية لكي تصبح شعباً واحداً، عائلة واحدة. والزوجين بالوحدة بينهما يذوقان سلفًا طعم رغبة الله بالحبّ الكبير، ويعيشان ولو جزئيًا وبطريقة خاصة الشراكة المرجوة للبشرية كلها. لذلك يُعتبر الزواج مدرسة حبّ، ففيه يتعلّم الزوجان يومًا بعد يوم، من خلال أعمال المحبّة والمواقف التي يتخذانها باسم الحبّ، معنى الحبّ الحقيقي وكيف أن الربّ بذل حياته لأجل كنيسته. «فما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبّائه». وحين ينضج الحبّ بينهما، أو بالأحرى ينضجان بالحبّ، يصبح بإمكانهما أن ينقلا اختبارهما إلى الكنيسة والمجتمع. فزواجهما من حيث هو سرّ مقدّس، لا يقف عند حدودهما، بل إن الربّ يدعوهما ليكون زواجهما موهبة يضعانها في خدمة الربّ، في كنيسته وفي العالم.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قراءةٌ من القديس يوحنا فم الذهب (+407)

سرّ الزواج المقدّس

لا يكفي أن يحبّ الرجل امرأته، كَوْنَها مخلوقةً من لحمه، بل يجب أن يحبّها، كَوْن الله قد وضع ذلك شريعةً بقوله: «يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته، فيصيران جسدًا واحدًا». ويذكّرنا القديس بولس بهذه الشريعة ليحثّنا على الحبّ من جميع جهاته. فانظروا لطافتَه: إنّه لا يكتفي بأن يحثّ الرجل على حبّ امرأته باسم شرائع إلهيّة أو انسانيّة، بل يذكر النظامَين الإلهيّ والانسانيّ معًا، لا يفصل بينهما. فالنفوس السامية التقيّة تُحبُّ بدافعٍ سماويّ، أمّا النفوس الضعيفة فتُحبُّ بدافعٍ إنسانيّ وطبيعيّ. لذلك، يبدأ تعليمَه بإعطاء المسيح مثلاً أكبر: أحبّوا نساءكم كما أحبّ المسيح كنيسته. ويُضيف مثلاً بشريًا: على الرجال أن يُحبّوا نساءهم كأجسادهم. ثمّ يعود إلى مثل المسيح: ألسنا أعضاء جسده من لحمه وعظامه؟ وأخيرًا يعود إلى الانسان: يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته. وبعد هذه الشريعة يُضيف: إنّ هذا لسرٌ عجيب. (عظة 3)