القسم السادس / الفصل الثاني والعشرون: خطر الغِنى

الاستقبال
قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ
التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ
للقراءةِ والتأمُّل

1- الاستقبال

لدى الانسان، بشكل عام، تعلّقٌ بالممتلكات والأموال والأمور الماديّة، لأنّها تمنحه نوعيّةً فضلى في طريقة العيش. كيف يمكن للمرء أن يتعلّق قلبه بأمور روحيّة لم يختبرها، ويعتبرها البعض وهمًا من نسج الخيال؟ هل من الممكن أن تكون ضمانتنا في الله فقط؟ ما هي خبرتك مع المال والممتلكات؟ يخبرنا واقع الحياة أنّ الإرث هو من أهمّ أسباب المشاكل بين الأخوة والأقارب. هل لديك خبرة سلبيّة أم إيجابيّة في هذا المجال؟ وهل فكّرت في التخلّي عن كلّ شيء من أجل التكرّس في حقل الرسالة؟ هل أنت قادر على هذه الدعوة؟ يدخل موضوع استخدام الأمور المادّية في الحياة ضمن الأخلاقيّات الاجتماعيّة في تعليم الكنيسة؛ فتوصي بالمشاركة بين الأغنياء والفقراء، وتعلّم أنّ وصايا الله هي أساس القيم في المجتمع وحقوق الإنسان على مرّ الأجيال. هذا ما سنراه في لقائنا اليوم.

2- قراءةُ الإنجيلِ وتفسيرُهُ: الشاب الغنيّ (متّى 19: 16-26)

16 وإذا بِرَجُلٍ يَدنو فَيقولُ له: يا مُعلِّم، ماذا أعمَلُ مِن صالحٍ لأنالَ الحَياةَ الأبَدِيَّة؟ 17 فقالَ له: لماذا تَسألُني عَنِ الصَّالِح؟ إنَّما الصَّالِحُ واحِد. فإذا أرَدتَ أن تَدخُلَ الحَياة، فَاحفَظِ الوَصايا. 18 قالَ له: أيَّ وَصايا؟ فقالَ يسوع: لا تَقتُلْ، لا تَزنِ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بِالزُّور 19 أكرِمْ أباكَ وأُمَّك وأحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ. 20 قالَ له الشَّاب: هذا كُلُّه قد حَفِظْتُه، فماذا يَنقُصُني؟ 21 قالَ لَه يسوع: إذا أرَدتَ أن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أموالَكَ وأعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني. 22 فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هذا الكلام، إنصَرَفَ حزينًا لأنَّه كانَ ذا مالٍ كثير.

23 فقالَ يسوعُ لِتلاميذِه: الحقَّ أقولُ لكم: يَعسُرُ على الغَنِيِّ أن يَدخُلَ مَلكوتَ السَّمَوات. 24 وأقولُ لَكم: لأن يَمُرَّ الجَملُ مِن ثَقْبِ الإبرَةِ أيسَرُ مِن أن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلكوتَ الله. 25 فلَمَّا سَمِعَ التَّلاميذُ هذا الكلام دَهِشوا دَهَشًا شديدًا وقالوا: مَن تُراهُ يَقدِرُ أن يَخلُص؟ 26 فَحَدَّقَ إلَيهِم يسوعُ وقالَ لهم: أمَّا النَّاسُ فهذا شَيءٌ يُعجِزُهم، وأمَّا اللهُ فإنَّه على كُلِّ شيءٍ قَدير.

2. 1- الشرح

يُخبر إنجيل اليوم عن قصّة الشاب الغنيّ (19: 16-22) وعن تعليمٍ أعطاه يسوع لتلاميذه حول خطر الغنى (19: 23-26).

يبدأ الإنجيل بسؤالٍ مصيريّ أساسيّ قد يطرحه كلّ انسان: ماذا عليّ أن أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟ هذا ينمّ عن رغبة داخليّة جيّدة موجودة عند غالبيّة الشباب المتحمّس، إذ يتمّ في هذا العمر بناء مشروع الحياة. فكان جواب يسوع أنّ عليه أن يحفظ الوصايا التي تُختصر بالمحبّة. إنّ إنسان اليوم قد لا يحلو له سماع صيغة أفعال الأمر وقد يبتعد عن كلّ انواع الفرائض والقوانين الخارجيّة، وذلك بتأثّرٍ من العلوم النفسيّة والاجتماعيّة التي تركّز على الأنا والرغبات الداخليّة وعلى عدم الحدّ من التطوّر الشخصانيّ في مبدأ الحريّة. لكنّ انتماء الوصايا العشر إلى إطارٍ لاهوتيّ يُخبئ في طيّاته فكرًا أدبيًا متّزنًا لعالم اليوم، إذ ينقل بعمق كلماته قِيَمًا فيها خير الإنسان على مرّ الأجيال. هذه القيم هي: الوعي على حضور الله وعمله في العالم؛ إعطاء قيمة للبعد المقدّس للزمن وللتناسق بين العمل والراحة؛ الحثّ على استقرار العلاقة بين الرجل وزوجته وعلى عيش التضامن بين أفراد العائلة الواحدة؛ احترام حق الحياة وكرامتها؛ واحترام الأشخاص ومُلكيّاتهم. ينتج عن هذه القيم حقوقٌ ممكن التعبير عنها بكلمات قانونيّة: حق العلاقة الدينيّة مع الله، حق احترام المعتقد والرموز الدينيّة، حق الممارسة الدينيّة، حق الراحة وانتقاء نوعيّة الحياة، حق العائلة وجميع أفرادها، حق الحياة منذ بدايتها حتى نهايتها، وحق الملكيّة الخاصة، وغيرها.

من الواضح أنّ الشاب الغنيّ لم يكن له مشكلة في حفظ الوصايا. لكنّ قلبه كان متعلّقًا بماله الكثير أو بالأحرى، لقد تمّ التركيز على الوصايا الاجتماعيّة، أي القسم الثاني منها، دون التشديد على الوصايا الثلاثة الأولى التي تتحدّث عن محبّة الله. قد يكون الشابّ الغنيّ منتظمًا في حياته الاجتماعيّة لكنّه جعل من ثروته ضمانةً لا يستغني عنها، وبالتالي لم يضع رجاءه في الله. مُراد المسيح أن تكون خدمة المـَلكوت أولويّة في حياة كل مؤمن؛ وكلّ باقي الاهتمامات الماليّة والعائليّة والحياتيّة تأتي في المرتبة الثانية. فالقديس بولس يقول: «لو فرّقتُ جميع أموالي لإطعام المساكين ولم تكن فيّ المحبّة، فما أنا بشيء» (1قور 13: 3). لم تنجح دعوة الشاب الغنيّ في اتّباع المسيح، وكان ذلك مناسبةً لإعطاء تعليم خاص للتلاميذ حول خطر الغنى، الذي يجعل من صاحبه عبدًا مادّيًا. فالله قد خلق الإنسان ليكون حرًّا، عائشًا في نعمته، ومستعملاً الأموال كوسيلة للحياة وليس كغاية.

2. 2- التأوين

إنّ دعوة يسوع الشاب الغنيّ لاتّباعه تعني أنّ الأغنياء ليسوا مُبعدين عن ملكوت الله. فالغنى ليس مانعًا بل خطرٌ صعبٌ أو حاجزٌ علينا تخطّيه. ما يهمّ الله هو نقطة تركيز قلبنا، وغاية حياتنا. إنّ المتاجرة مع الله دائمًا مُربحة، فقد قال إنّ بعض الحَبّ المزروع في الأرض الطيّبة يؤتي ثلاثين للحبّة الواحدة، وبعضه الآخر ستّين، والبعض مئة (متّى 13: 8 و23). عندما نتخلّى عن كلّ شيء، يُغنينا الله من مواهبه؛ فالاتّكال على عنايته الأبويّة يُربحنا أكثر من اتّكالنا على ضماناتنا البشريّة. يُحكى عن طفلة ماتت وذهبت مع دُميتها إلى السماء وأرادت الدخول واللعب في السماء، ولـمـّا مانعها مار بطرس بدأت بالصراخ؛ عندها أتت العذراء مريم وأخذتها بيدها وأدخلتها مع الدُمية. فلمّا رأت الطفلة البلاط السماويّ وانجذبت بمحبّة الله، تركت دُميتها تسقط على الأرض. والعبرة من هذه القصّة هي في أن ندع قلبنا ينجذب إلى ما هو فوق، إلى ما هو روحيّ، فيتخلّى تدريجيًّا عن أمور هذه الدنيا.

3- التعليمُ اللاهوتيّ والروحيّ: الأخلاقيّات الإجتماعيّة

تعليم الكنيسة الاجتماعي

يضع الإيمان المسيحي وصية المحبّة فوق كلّ الوصايا وفق ما علّمنا الربّ يسوع. في عيش المحبّة يهتمّ الإنسان لخير قريبه الذي يعرفه أو يلتقيه. ولكن على المؤمن ألا يهمل مسؤوليّته الأشمل حين يكون قادرًا على التأثير أو المساهمة في خير الجماعات أو المجتمعات. بهذا المعنى تعطي الكنيسة تعليمها الاجتماعي. واليوم بعد أن أصبح العالم كلّه منفتحًا بعضه على بعض وبتنا نعي مسؤوليتنا الكونيّة، على صعيد البيئة والاقتصاد وغيرهما، يبدو هذا التعليم أساسيًّا لينير المؤمنين في التزاماتهم ومهمّاتهم وحتى حياتهم بتفاصيلها اليومية.

لقد جمعت الكنيسة تعاليمها الاجتماعية في خلاصة كبيرة يمكنها أن تنير المؤمنين، وهي متوافرة لمن يريد الاطلاع عليها. وفيها تبرز بعض المبادئ، نورد هنا أهمّها:
كرامة الإنسان هي الأساس الذي يجب صونه، وهي قد حفظها الله منذ الخلق. كلّ إنسان مخلوق على صورة الله ومثاله. لذلك يجب احترام حياته التي لا يحقّ لأحد المساس بها، ولو مهما كان هذا الإنسان ضعيفًا أو مريضًا، قويًّا أو طفلاً أو جنينًا. وإضافة إلى ذلك وجبت المساواة بين كل الناس بما أنّ لهم الكرامة نفسها والله هو ضامنها. فلا فرق في الكرامة بين الرجل والمرأة، بين المرؤوس ورئيسه، بين المواطن والأجنبي…

مبدأ الخير العام يوجّه التفكير فيما يخصّ الممتلكات والقدرات. لا شكّ أنّ للفرد حقّ الملكية الخاصة، والتمتع بما يملك، فهذا ضروريّ لحرّيته. لكن هذا الحقّ ليس مطلقًا، أي إنّه يتوجّب على الإنسان التفكير بالآخرين، والعمل لأجل الخير المشترك. وتلفت النظر الكنيسة إلى أولوّية الاهتمام بالفقراء، والمساكين والضعفاء، كما فعل الربّ يسوع نفسه.

يمكننا التركيز أيضًا على مبدأ التضامن والتشجيع على العمل الجماعي وللكنيسة في هذا المجال تاريخ غني بالاختبارات والتجارب والشهادات.

لا تنسى الكنيسة التركيز على مسألة معاصرة وهي أهميّة الحفاظ على البيئة، التي هي وديعة في أيدينا من الربّ الخالق نفسه. وإن كان الإنسان مسلّطًا على الكون، فالسلطة بالمعنى المسيحي هي للخدمة لا للنهب. على الإنسان أن يهتمّ بالكون بصفته أمانة وهديّة.

وتسهر الكنيسة على التزام العمل في سبيل تطوير الإنسان والشعوب. لهذا هي تلتزم مجالات متنوّعة كالتربية والتدريس والاستشفاء. ولكنها تعلم أيضاً، كما يقول البابا بنديكتس السادس عشر، أن أفضل طريقة لتطوير الشعوب هي إعلان إنجيل يسوع المسيح.

4- للقراءةِ والتأمُّل: قراءةٌ من القديس باسيليوس الكبير (+379)

أغنياء وفقراء

بـِمَ تُجيبُ الديّان العادل، يا مَن تُلبس الجدران ولا تُلبس نظيرك الانسان؟ يا مَن تزيّن جيادَك ولا ترمق بنظرة واحدة أخاك في الضيق؟ يا مَن تدع قمحك طعامًا للفساد ولا تُطعم الجائعين؟ يا مَن تُخَبّئ ذهبك ولا تَخِفُّ إلى نصرة المظلوم؟

قد تقول: أيّ اجحافٍ أرتكب إذا احتفظتُ بما هو مُلكٌ لي؟ بحقّكَ، قُلْ لي: ماذا لكَ؟ ومِمّن أخذتَه حتى تملكَه طول حياتك؟ مَثَلُكَ في ما تدّعي مَثَلُ امرئٍ استولى على مقعدٍ في قاعة المسرح العام، ووَكدُه أن يمنع الآخرين من الدخول، ليتمتّع بالمشهد وحده، كأنّه مِلكُه الخاص، وهو مُشاعٌ للجميع. تلك حال الأغنياء: يعتبرون الخيرات العامّة مِلكًا خاصًا لهم، لأنّهم استولوا عليها قبل الآخرين.

لو كان كلُّ انسانٍ يأخذ من امواله ما يكفي لسدّ حاجاته، ويترك الفائض عنه لـمَن ينقصه الضروريّ، لـَما بقي على الأرض غنيٌّ أو فقير. أنتَ يا مَن تلتهم كلَّ شيء، أتظنّ أنّك لا ترتكب إجحافًا بحقّ أحد عندما تحرم الضروريّ هذا العدد الكبير من المحتاجين؟ مَن هو الانسان الذي يُدعى سارقًا للجماعة؟ أليس مَن يختصّ نفسه بِما هو للجميع؟ ألا تكون سارقًا للجماعة أنتَ الذي يختصّ نفسه بما أُعطِيه ليوزِّعَه على الآخرين؟ إنّنا ندعو سارقًا مَن يسلب المسافرين ثيابهم. وهل يستحقّ غير هذا الاسم ذلك الذي لا يكسو محتاجًا، ليس له غير العُري لباسًا؟

الخبزُ الذي تحفَظُه في المخبأ هو مُلكٌ للجائعين، والثوبُ الذي تُقفل عليه الخزانة هو مِلكٌ للعراة، والحذاء الذي يتلف عندك هو مِلكٌ للحفاة، والذهب الذي تدفنُه هو مُلكٌ للمحتاجين. فأنتَ مُجحفٌ بحقّ الذين تستطيعُ أن تسدّ حاجتهم ولا تفعل.

(العظة 6)