كلمة الأب أندريه هالمبا

مسؤول منطقة الشرق الأوسط في المنظمة البابوية “عون الكنيسة المتألمة” ACN

الجواب على أزمة الحضارة مرتبط بحضارة المحبة، وهي مؤسَّسة على القِيَم الشاملة، قِيَم السلام، والتضامن، والعدالة والحرية التي تجد تحقيقها الكامل في السيِّد المسيح. (يوحنا بولس الثاني – إطلالة الألف الثالث، رقم 25).

يُعلِّم القديس البابا يوحنا بولس الثاني أنَّ الإنسان يجدُ في السيِّد المسيح عظمته الحقيقيَّة، وكرامته ،وقيمة حياته. وعندما يتعرَّف على الله الذي هو المحبة، يمكنه إذ ذاك أن يبني حضارة المحبة. وبكلام آخر: بدون محبة المسيح لا يمكننا أن نعيش أو نفهم معنى دعوتنا الإنسانيَّة. وكذلك لا يمكننا أن نفهم سرَّ وجودنا. فقط المسيح يقودنا بيده وبطريقةٍ أكيدةٍ في طُرُق هذه الحياة، كما تصرَّف مع الرّسل سابقًا. وهكذا يفتح أمامنا آفاق جديدة وتحدِّيات جديدة، ومهمَّات جديدة!

في سفر أعمال الرسل، الذي يصف حياة الكنيسة في أيّام الرسل، نجد شرحًا هامًا حول حياة الكنيسة عبر الأجيال. هكذا نقرأ أنَّ القديس بولس رأى في رؤية رجلاً من مكدونية، يتوسَّل إليه قائلًا: أُعبْر إلينا وأغثنا (أعمال 9 :16). إنَّنا نعلم أنَّ القديس بولس الرسول تأثَّر جدًّا من هذه الرؤيا، وسارع إلى هذه المنطقة ليبشِّر بالإنجيل المقدَّس تلك الشعوب المتشوِّقة إلى بناء حضارة جديدة مؤسَّسة على المسيح وعلى الإنجيل المقدس، لكي تحلَّ مكان أنقاض أمبراطوريَّة الإسكندر الكبير الوثنيَّة المتداعية.

ألا نسمع اليوم من جديد نداءات مماثلة؟ ألا نلتقي اليوم أيضًا وفي عصرنا أناسًا، يحتاجون إلى معونتنا لكي يجدوا الإيمان الحقيقي؟ إنَّ هناك أناسًا كثيرين تنقصهم الجرأة لكي يطلبوا مساعدتنا قائلين: ساعدونا لكي نكتشف وجه الله الحقيقي! ساعدونا لكي نعرف إرادته بشأننا، بحيث يُمكننا أن نبتهل إليه ونعيش لأجله!

قضيتُ سنوات عدّة كمرسلٍ في أفريقيا، وتحققت كم هو كبير جوع هذه القارة للتعرُّف على الإيمان ،وذلك لدى المسيحيين والمسلمين. فالمساعدة الكبرى، عدا المساعدة الماديَّة، هي كيف نُجيب على الجوع الذي تكلَّم عنه السيِّد المسيح قائلًا: «طوبى للجياع والعطاش إلى البِر فإنهَّم يشبعون.»

هذه الاعتبارات أوحت هذا الكتاب. إنَّه يهدف إلى مساعدة الناطقين باللغة العربيَّة والطالبين الإيمان المقدَّس من خلال المعموديَّة المقدَّسة، لكي يتعرَّفوا على الله الذي هو المحبّة. وهذا هو معنى عنوان هذا الكتاب: «طريقنا إلى الله.»

بالطبع يوجد باللغة العربيَّة الكُتُب التي تشرح الإيمان المسيحي. ولكن حتى الآن لا يوجد كتاب موجَّه بنوع خاص إلى الذين يريدون أن يتعرَّفوا على مبادئ الإيمان المسيحي، فيكون بمثابة تعليم مسيحي كاثوليكي.

من المؤكد أنه كان بالإمكان أن نختار كتابًا أوروبيًّا يشرح المبادئ المسيحيَّة. ولكن لا يأخذ بعين الاعتبار متطلبات التعابير اللغويَّة والثقافيَّة والدينيَّة للقارئ العربي. وهكذا لا يحُقِّق الغاية المنشودة من تأليفه ونشره. ولهذا وضعنا هذا الكتاب الخاصّ الذي يُعتبر طريقًا إلى معرفة الإيمان المسيحي ،بحيث يقود القارئ الراغب في معرفة الله، وقبول المعموديَّة المقدَّسة، التي تجعله عضوًا في كنيسة المسيح .

يحتوي هذا الكتاب على التعاليم الكتابيَّة (من نصوص الكتاب المقدَّس) والعقائديَّة والليتورجيَّة .

ويشرح التعليم المسيحي الصّحيح. بحيث يُلبِّي حاجة القارئ للتعرُّف إلى الإيمان المسيحي الغريب عنه. ويُرشده إلى التعمُّق في تعاليم الإنجيل المقدَّس، التي تقوده إلى الخلاص، وإلى قِيَم النعمة الإلهيَّة، وفضائل الإيمان والرجاء والمحبة، والرحمة والعدالة.

يشرح القديس توما الأكويني، (من كبار اللاهوتيين الغربيين المسيحيين 1274-1225)، المبادئ الأساسيَّة في الإيمان المسيحي قائلًا: «إنَّ ما يجب أن نؤمن به، نجده في قانون الإيمان؛ وما يجب أن نُصلِّيه نجده في صلاة «الأبانا»؛ وما يجب أن نعيشه، نتعرَّف عليه من خلال وصايا الله العشرة».

آملُ أن يُساعد هذا الكتاب، الفريد من نوعه، طالب المعموديَّة في أمورٍ ثلاثة: كيف يؤمن، وكيف يُصلّ، وكيف يعيش كمسيحي حقيقي.

وآمل أن تُساعد نصوص هذا الكتاب باللغات الألمانيَّة-العربيَّة والفرنسيَّة-العربيَّة،  طالب المعموديَّة في التواصل مع الجماعات التي يعيش معها في بلاد الاغتراب.

أخيرًا أحبُّ أن أشير إلى أنَّه ما كان بالإمكان تحقيق مشروع هذا الكتاب بدون مساعدة أناس كثيرين ،أذكر منهم: غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لحام بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق والإسكندريَّة وأورشليم سابقًا، غبطة البطريرك لويس روفائيل ساكو بطريرك بابل للكلدان والسادة الأساقفة

الأجلاء. لهم جميعًا شكري العميق لما أظهروه من استعداد ليرافقوا إخراج هذا الكتاب إلى النور من خلال اقتراحاتهم، وتوجيهاتهم وبركتهم.

أودُّ أن أشكر بنوعٍ خاص واضعَي هذا الكتاب: المونسنيور أنطوان عساف والأب ميشال صقر .

وأشكر المونسنيور توفيق بو هدير الذي نسَّق إخراج الكتاب.

وآملُ أخيًرا أن يختبر القارئ ما كتبه قداسة البابا فرنسيس في رسالة فرح الإنجيل: «إنَّ فرح الإنجيل يملأ قلبَ وحياة من يلتقي شخص المسيح. إنَّ المخلَّصين باسمه يتحرَّرون من الخطيئة والحزن ،والفراغ الداخل والعزلة مع السيِّد المسيح حيث يأتي الفرح دائمًا.» (روح الإنجيل)